شاب عشريني يمسك كلبه ويتنزه معه على (كورنيش) بحر الشيخ عجلين، لم يعد المشهد غريباً لكثر ما تكرر، ويمكن أن ترى ما هو أكثر من ذلك، مثلاً أن ترى كلباً يطل من شباك سيارة فارهة !
هي مشاهد جديدة ووافدة في القطاع المحاصر من كل الجهات، إلا من الثقافات الوافدة، أو التقليد لنمط الحياة في الخارج !

وبعيداً عن (تقليعة) الموضة، للكلاب أيضاً من يحبها ويهواها، فخوفا عليها من الموت والمرض؛ يدأب الثلاثيني سعيد العر (مروّض الحيوانات) وبرفقته مجموعة من المتطوّعين، من قطاع غزة، على جمع الكلاب الضالة المتواجدة في المنطقة الوسطى من القطاع والتي يقيم بها، يضعها داخل قطعة من الأرض التي قام باستئجارها وتسييجها على نفقته الخاصة، يروّضها ليسهل التعامل معها، ومن ثم يعرضها للتّبني.

الغريب حسب العر، هو وجود العشرات من طلبات التبني للكلاب المروَّضة، والتي يقوم هو والفريق الذي معه بوضع شروط على المتبني كعدم ممارسة العنف عليها، والاهتمام بها نفسيا وصحيا.

منذ سنوات يعمل "العر" على هذا المشروع حتى تطور مؤخرا إلى جمعية حملت اسم (سلالة لحماية الحيوانات)، لكن التمويل يقف حائلاً أمام انجاز مبنى بمواصفات متكاملة، إذ لا تقف أفكار " العر "  على الكلاب الضالة فقط، بل يأمل بأن يجمع من خلال جمعيته، أنواع أخرى من الحيوانات والطيور النادرة ليحافظ على وجودها والتنوع الحيوي في فلسطين.

لايمكن إنكار وجودها

تربية الكلاب ومرافقتها صارت أشبه بـ "ظاهرة" لا يمكن إنكار وجودها في المجتمع الغزّي، فهناك العديد من الشباب الذين يهتمّون بتربيتها ويحتضنون أنواعاً مختلفة منها، لسببين اثنين الأول هو وفاؤها، والثاني أنه من الممكن أن يكون "موضة العصر" وحبهم لتقليد الثقافة الغربية، وفقا لما قاله الشاب مصطفى معين.

الشاب أحمد نبيل مثلاً يتبنى كلبا من نوع (جيرمن) منذ ولادته، ويعتني به عناية واضحة، فقام بإرضاعة الحليب المخصص لفترة ثلاثة أشهر بعد ولادته، إلى جانب تطعيمه وعرضه على طبيب بيطري بين الحين والآخر.

الآن وبعد أن بلغ (زيقو) العام والنصف، يعاني أحمد من تجمّع الأطفال والشباب عليه برفقة كلبه عندما يريدان الخروج بجولة قصيرة يومياً، وعندما قرر أخذه بجولات مسائية بعيدة عن حركة المارة تجتمع عليهما الكلاب الضالة، فأصبح يخشى ما أسماه بـ "دوشة الراس"، ويكتفي بمداعبته داخل المنزل.

فيما لا يكتفي الشاب منصور زويّد بتربية نوع واحد من الكلاب، فيربي داخل بيته الكبير أنواع عدة مثل (بت بول، روت فايلر، ودوبرمان)، وعندما تنجب يقوم بتوزيع الجراء بعد فطامها لأصدقاءه ومعارفه الراغبين بتربيتها.

مباح ولكن ..!

أما شهد توفيق من مدينة غزة، تحتضن كلبتها (كيتا) التي ترافقها منذ خمسة أعوام ولا تستطيع التخلي عنها، وتقول وهي تداعبها بجانب كنبتها البيضاء: " الكلاب كائنات جميلة جدا و بتفهم و بتحس و اللي ألطف من هيك انك تتعامل معها".

وترفض شهد أن تكون رهينة للعادات والتقاليد، وآراء الدين التي ترى بتربية الكلاب داخل المنازل نجاسة للبيت وللشخص.

من الناحية الشرعية، يرى الداعية عماد حمتو أن الاسلام أباح تربية الكلاب لغرضين فقط وهما في الصيد أو الحراسة، وبرغم اختلاف بعض المذاهب الإسلامية إلا أنها تتفق في الغالب على (نجاسة) الكلاب.

ويرجع حمتو انتشار ظاهرة تربية الكلاب إلى الفراغ العميق وندرة الأهداف التي من المفروض أن يسعى الشباب إلى تحقيقها في ظل الحصار، وارتفاع نسب البطالة.

وتوجه الداعية، بالنصح للشباب البحث عن شيء أكثر افادة وبعيدا عن الممنوعات الدينية، فتربية الكلاب ممنوعة في الأصل ما دام لم تدعو إليها الحاجة.

في الوقت الذي يتفق به الجميع على وفاء الكلاب لأصاحبها، لا تزال تنقسم آراء المواطنين في قطاع غزة بين من يؤيد ومن يعارض، فالمؤيد يصادقها، والمعارض لا يؤذيها، بينما ما يمنعه من تربيتها إما عدم رغبته في ذلك أو معتقداته الدينية التي لا تجيز ذلك إلا للضرورة.