أنهى أمس وفد امني من غزة زيارته للقاهرة، ولن ادعي أية قراءة لتبعات الزيارة وما يمكن أن تفضي إليه، لأن الأيام المقبلة يتوقع أن تكون القاهرة محط حجيج من قبل كثيرين من غزة، العلاقة مع القاهرة مطلب وضرورة ورافعة ويمكن صف ملايين مئات الصفات والكلمات والضرورات والحاجات لذلك، لا بديل للقاهرة ولا يمكن تمرير ولا المرور للعالم دون القاهرة هذه بديهيات سياسية وتاريخية واجتماعية أيضا.

 لا أريد استعادة تاريخ نشأة وتكون الحركة الوطنية الفلسطينية قواها ومكوناتها ودور القاهرة في ذلك وتأثيرها في حيثياته وإحداثياته، من الشقيري والمنظمة وصولا لاتفاقات المصالحة والتهدئة والهدنة مرورا بياسر عرفات وأوسلو وانتهاء بجولات تبادل الأسرى بين غزة والكيان الإسرائيلي، وحتما يطول استحضار ذلك كله، لكن السؤال لماذا اُختصرت العلاقة الآن بين القاهرة وقطاع غزة؟.

 غزة جزء أصيل من المشهد الفلسطيني نعم لكنها ليست المشهد كله ولا نصفه حتى فلماذا تختصر العلاقات المصرية- الفلسطينية في قطاع غزة فقط؟. هل اُختصرت القضية الفلسطينية بكل مكوناتها وملفاتها وتحدياتها في العلاقة بين القاهرة وغزة؟، ومن الذي اختصر العلاقة في هذا المشهد الثنائي بين غزة والقاهرة؟، وإن شئت فإن غزة الأخرى قُسمت وفصلت وجزئت فبات الوصف الموضوعي علاقة حماس بالقاهرة وعلاقة فتح بالقاهرة حتى هذه قسمت هي الأخرى فهل المقصود فتح تيار دحلان أم فتح تيار الرئيس محمود عباس، حتى علاقة غزة بالقاهرة باتت مفتتة مفككة تنفرد القاهرة وتستفرد بكل فصيل على حدة، وهذا لا يعني علاقات سياسية حقيقية يمكن قياس التقارب فيها والتباعد، بالمناسبة هل تذهب العائلات في غزة فرادى مثلا وهذا في علاقاتها الداخلية إذا ما أرادت حلا لمشكلة أو طلبا لقرب ومصاهرة.

غزة بحاجة للقاهرة وهذا مطلب وضرورة ولا نملك ترف البحث في الخيارات البديلة لأنها معدومة، والقاهرة قادرة على تقديم التسهيلات لغزة، لكن ماذا عن باقي الملفات وهل اختصرت القضية الفلسطينية في التسهيلات فقط، هناك قضايا وملفات إقليمية ودولية تتكون منها القضية الفلسطينية هل تكفي العلاقة بين القاهرة وغزة تبني وتمرير وعرض هذه الملفات والإجابة على محدداتها ومقتضياتها مع الكيان الإسرائيلي والمجتمع الدولي.

هل تدرك السلطة الفلسطينية في رام الله تبعات إلم يكن مخاطر التقارب الثنائي بين غزة والقاهرة أو للدقة بين كل فصيل في غزة على حدة وبين القاهرة؟، وماذا فعلت من أجل وقف ذلك أو استدراكه أو بناء علاقات تبادلية كاملة متكاملة يشارك فيها ويعبر عنها الكل الفلسطيني لا ينفرد فصيل بعينه ويدعي انه يعبر الكل الفلسطيني، حتى بالنسبة للقاهرة من المهم لها أن تتعامل مع الكل الفلسطيني بدلا من التعاطي مع محددات كل فصيل على حدة، وبالمناسبة مطالب التسهيلات كلها في النهاية واحدة ومشتركة بين الفصائل. حتى الملف الأمني هو في النهاية ملف يشمل قطاع غزة كله ولا يمكن لفصيل واحد تلبية كل مقتضياته حتى وان كان هذا الفصيل حركة حماس.

السؤال المشروع هنا لماذا تستفرد القاهرة بمكونات الحركة الوطنية الفلسطينية كلا على حدة، بل أن سقف هذا الأمر بات أدنى فباتت القاهرة تحاور النخب والإعلاميين والباحثين لا اقلل من هذا لكن هناك قصور فلسطيني واضح وعاجز لم يفلح في أن يسوق نفسه أمام القاهرة كوحدة فلسطينية واحدة لها مطالب ومحددات واضحة وواحدة. بل إن هذا العجز والسقوط الذي وقعنا فيه لم يكن حكرا أو حصرا على القاهرة فقط بل مع قطر أيضا تتشكل العلاقة بين الدوحة وكل فصيل على حدة وكذلك الحال مع تركيا وغيرها من العواصم، لا يمكن للفصيل الفلسطيني الواحد أيا كانت قدراته ومقوماته وحضوره في المشهد أن يختصر العلاقات الخارجية في ذاته وان يمرر ما يريده الشعب بلغته هو، بل إن من مداخل القوة والتأثير أن يذهب الفلسطينيين ككتلة واحدة. يجب أن ندرك تبعات تفرقنا قد نتفهم ظروف انقسام حماس وفتح وهذا أمر داخلي لكن في الخارج وأمام العالم وإذا ما سعينا لأجل التسهيلات فعلينا أن نذهب كالجسم الواحد.

ما يحدث تبعاته كبيرة وخطيرة ولا يبدوا أن سلطة رام الله أو القوى في غزة تدرك ذلك، لأن ما يحدث من شأنه أن يرتد للداخل الفلسطيني بل إن العلاقات المتفردة الحاصلة قد تفضي لتعميق الهوة السياسية والجغرافية بين غزة والضفة، السياسة لا تأخذ بحسن النوايا وبالتالي هل تدرك الفصائل الفلسطينية وتستحضر مسارات التاريخ والعلاقة بين القضية الفلسطينية ووحدات النظام الإقليمي العربي الرسمي، وما نتج عنه وما أنتج ذلك من انشقاقات وانقسامات في الوحدة الواحد\ة فلسطينيا وتحديدا في جبهات اليسار.

هناك حالة توتر بين العواصم العربية لم تعد خافية، وهناك افتراق متدحرج بين وحدات النظام الإقليمي العربي، وهذه الإحداثيات كانت ولا زالت تؤثر على مسارات القضية الفلسطينية أدواتها وخياراتها، ولا يمكن الجمع في العلاقة بين عاصمتين عربيتين متناقضتين إطلاقا حتى وان بدا الأمر ممكنا ومتاحا إلا أن تبعات ذلك لا يمكن تلبيتها ، ماذا لو قررت العواصم العربية المختلفة تصفية حساباتها على إحداثيات القضية الفلسطينية وقدر لغزة أن تكون مسرحا لذلك. من من الفصائل الذاهبة صوب العلاقة مع الخارج وحدها قادرة على ضبط الإيقاع داخل المشهد في غزة.

العلاقة مع القاهرة ليست هي ذات العلاقة مع الدوحة أو مع أنقرة أو مع غيرهما من العواصم، للقاهرة أولوية مقدمة ومتقدمة على ما سواها، ولكن السؤال ما هي محددات العلاقة وظروفها وأي المقاربات أوفر حظا ، هل تكفي المقاربة الأمنية مثلا لبناء علاقات حقيقية موضوعية، وماذا عن الفصائل التي لا يمكنها أن تقدم شيئا يتعلق بالمحدد الأمني. هل اختصرت العلاقة بين القاهرة وغزة إلى هذا الحد. نعم لعلاقات كاملة شاملة مع القاهرة ومع كل العواصم العربية ولكن من بوابة الكل الفلسطيني أن تكون علاقة تعكس السعي الفلسطيني لبناء دولة فلسطينية أن تكون علاقة تعكس الكل الفلسطيني وألا تقتصر على فصيل بعينه أو طرف فلسطيني بعينه. إذا لم نفلح في بناء علاقات خارجية بهذا الشكل فكيف يمكن أن نضمن دعما دوليا وان نروح لقضيتنا ومطالبنا أمام المجتمع الدولي. هل تذهب الأحزاب الإسرائيلية متفردة في بناء علاقاتها، لكل فصيل فلسطيني الحق في بناء علاقاته الخارجية لكن لا يمكن لفصيل واحد أن يعبر عن كل المنظومة الفلسطينية حتى وان تبنى مطالبها.