لا تعنينا كثيراً ردود الفعل الإسرائيلية الداخلية المحذرة من مفاعيل قانون مصادرة الأراضي الفلسطينية. فمعارضتها تنبع من الحرص على أمن كيان الاحتلال ومكانته الدولية وهويته اليهودية، ليس إلا. مع ذلك، تشي بعض الانتقادات الداخلية بأنّ مفاعيل هذا القانون وتداعياته، لجهة ما قد ينتجه من تحديات وفرص، هي قضية سجالية في الوسط الإسرائيلي، لكونها خطوة غير مضمونة العواقب.

وكشفت شرعنة مصادرة الأراضي الفلسطينية الخاصة، وبمفعول رجعي، عن تمادي أساليب العدوان "المقونن" على الشعب الفلسطيني، وعكست الرؤية والتقدير اللذين استند إليهما صانع القرار في تل أبيب للتجرؤ على هذه الخطوة في هذه المرحلة بالذات.

بعيداً عن موقف المحكمة العليا، التي تسود تقديرات بأنها قد تبطل هذا القانون، وهو ما تذرعت به إدارة دونالد ترامب لتجنب التعليق على القانون، لكونها تملك الصلاحية للقيام بذلك، فالمؤكد أن المبادرة لسنّ مثل هذا القانون تشكّل تطوراً في العدوان، وذلك بالقياس إلى العناوين والأساليب التي اعتمدها للزحف الاستيطاني تاريخياً، وهو ما دفع أعضاء الكنيست لتوفير مظلة قانونية له. وبهذه الطريقة يتحوّل الاعتداء إلى تنفيذ للقانون في كيان الاحتلال.

بعد استكمال احتلال الأراضي الفلسطينية عام 1967، تذرعت إسرائيل لتنفيذ خطتها الاستيطانية بشعار "الأغراض العسكرية"، الذي استندت إليه طوال السبعينيات تقريباً (باستثناء معاليه أدوميم التي كان لها خصوصية محددة). بعد ذلك اعتمدت إسرائيل "تكتيكاً" آخر للاستيلاء على الأراضي الفلسطينية. إذ جرى بالتدريج إعلان أكثر من 900 ألف دونم في الضفة الغربية على أنها أراضي دولة، وهي أراضٍ لم تكن مُعرَّفة في السابق على أنها تخضع لملكية الدولة. وبعد هذه الخطوة ضُمَّت غالبيتها الساحقة إلى مناطق نفوذ للمجالس المحلية والمجالس الإقليمية التابعة للمستوطنات. وفي كل ما مضى شرعنت المحكمة العليا الخطوات الاستيطانية.

من هنا، فإن شرعنة الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين الخاصة، التي أقاموا عليها نحو 4000 وحدة استيطانية، يشكل ارتقاءً في العدوان الاستيطاني على قاعدة "شرعن ثم فرعن". وهو ما يعني أيضاً، إعلاناً رسمياً إسرائيلياً، وبلغة قانونية، أن الضفة الغربية لم تعد منطقة نزاع، بل باتت جزءاً من كيان الاحتلال. هذا المفهوم هو الذي دفع اليمين الإسرائيلي إلى وصفه بالمحطة التاريخية، والانقلاب، وذلك انطلاقاً من أن ما جرى هو امتداد لسياسة التوسع الاستيطاني، وترجمة لاستراتيجية تهويد الأرض والهوية، وقطعاً للطريق على إقامة كيان سياسي فلسطيني، يحمل اسم "الدولة الفلسطينية". وقفزة باتجاه تصفية القضية الفلسطينية، عبر دفع الطرف التسووي للبحث عن حلول خارج فلسطين.

وكغيره من الاعتداءات التي تنطوي على مفاعيل تاريخية واستراتيجية، ما كان كيان العدو ليبادر إليه، إلا استناداً إلى قراءة وتقدير يتصل بالبيئة الإقليمية والدولية.

يتزامن المسار التصاعدي للاعتداءات الإسرائيلية في الضفة والقطاع، مع انفتاح عربي ــ خليجي، على إسرائيل. وفي ظل ترويج لمفهوم أن إسرائيل جزء من معادلة إقليمية يمكن الارتقاء بالعلاقة معها إلى رتبة "الحليف" على قاعدة المصالح المشتركة، وفي مواجهة كل من يرفع راية تحرير فلسطين.

 وهو ما ترى فيه إسرائيل عامة، واليمين خاصة، ظرفاً مثالياً لمزيد من التوسع الاستيطاني. أيضاً، من الصعب الفصل بين الاندفاعة الاستيطانية الإسرائيلية، التي كان قانون المصادرة أحد تجلياتها، عن تولي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة الأميركية ــ الحدث الذي رأى فيه اليمين الإسرائيلي فرصة تاريخية للانقضاض على ما بقي من أراضٍ فلسطينية.

وهكذا يتجلى الاستيطان بالنسبة إلى كيان الاحتلال، كهدف واستراتيجية في آن واحد. من جهة، يجسد جوهر الحركة الصهيونية التي تقوم على جمع يهود العالم ضمن وطن قومي على أرض فلسطين. ومن جهة أخرى، هو السبيل لتهويد الأرض والذاكرة، وقطع الطريق على أي ترتيب سياسي يسمح للفلسطينيين بكيان "سيادي" على جزء يسير من أرض فلسطين.

وفي قطاع غزة المحاصر، استغل العدو الإسرائيلي الصاروخ اليتيم الذي سقط في جنوب إسرائيل كي يشنّ ضربات عسكرية أبعد ما تكون عن كونها ردّ فعل. ووجه سلسلة من الضربات التي استهدفت مجموعة أهداف اختارها جيش العدو، من ضمن خطة استهداف قدرات المقاومة في غزة، وبالاستناد إلى تقدير مفاده أن فصائل المقاومة حريصة على تجنب مواجهة واسعة.
أكد حجم العدوان ووتيرته والمدى الذي بلغه، على أن ضربات جيش العدو لم تكن سوى ترجمة لبرامج عسكرية جاهزة لدى جيش العدو. وعلى المستوى السياسي، بدا كما لو أن نتنياهو كان ينتظر فرصة من هذا النوع.

منذ ما بعد تولي أفيغدور ليبرمان منصب وزير الأمن، فرضت إسرائيل معادلة غير تناسبية إزاء قطاع غزة. وعمدت إلى ذلك عبر توسيع نطاق الاعتداءات التي كانت تمهد لها الصواريخ العشوائية وتطلقها مجموعات سلفية، ويردّ عليها جيش العدو باستهداف مواقع المقاومة في القطاع، وهو يدرك تماماً خلفية وأهداف المجموعات التي تقف وراء هذه الصواريخ.

وكما هي الحال، مع ما سبق من اعتداءات، يأتي اعتداء أول من أمس امتداداً للسياسة العدوانية الإسرائيلية ضد سكان القطاع وفصائله المقاومة. وهي سياسة تقوم وفق معادلة تهدف إلى تدفيع الشعب الفلسطيني ثمن تبنيه لخيار المقاومة. ولعلّ شرعنة الكنيست لمصادرة الأراضي الفلسطينية، بأغلبية 60 عضواً في الكنيست، أتى ليعزز مرة أخرى فشل الرهان على خيار "التسوية"، ويكشف أيضاً عن أن ثمن الخضوع للاحتلال، أكبر من ثمن مقاومته. فضلاً عن أن الأول ينطوي على دفع أثمان كبرى من دون ثمار متناسبة، والثاني يقوم على تقديم التضحيات في مقابل التحرير.

مع ذلك، هدف استغلال نتنياهو للصاروخ اليتيم، لتحقيق أكثر من هدف في الساحة الداخلية. فهو أراد أن يقدم نفسه كزعيم يملك التصميم وشجاعة القرار، للدفاع عن أمن شعب إسرائيل. وهو ما برز في تعقيبه: "إنّ سياستنا واضحة، من يطلق النار علينا سنرد عليه بالنار وبقوة، ليس هناك شيء اسمه تنقيط إطلاق نار دون رد".

أيضاً، شكلت اعتداءات جيش العدو فرصة إضافية للتغطية على ملفات الفساد، وقطعاً للطريق على مزايدة اليمين المتطرف الذي يناكف نتنياهو في الموقف من حكم حماس في القطاع وعدم إبداء الحزم المطلوب، وتحديداً بعد تقرير مراقب الدولة الذي لم يكن الانطباع الذي تبلور في أعقابه في مصلحة نتنياهو.

وهكذا استطاع نتنياهو أن يفرض على جدول اهتمامات الجمهور الإسرائيلي، عناوين استيطانية وأمنية وسياسية تتصل بتطورات المنطقة وإيران... بدلاً من ملاحقة تفاصيل ملفات الفساد التي وضعت مستقبله الشخصي والسياسي على مفترق حاسم.

المصدر: "الأخبار" - علي حيدر