لم يعلن حزب الله يوماً أن الحاج عماد مغنية، قبل استشهاده، ناشط في صفوفه. حتى ظنّ البعض أن الحاج رضوان قد استشهد وأن الحزب يتكتم على شهادته، أو أنه ربما انتقل للتقاعد في إحدى المدن الإيرانية. داخل الحزب، لم يكن الرجل من المعروفين في مركز القرار. مبكراً، اختفى من المشهد العام وانقطع التواصل بشخصيته، إلا لمن كانت له علاقة وثيقة بعمله داخل المقاومة. هذه «المجهولية» لازمته حتى آخر أيام حياته.

الحيثية الأقوى لديه، إذن، هي أنه المجهول. أتاح له ذلك الاقتصار على إجراءات عادية للحماية الشخصية. لا مواكب، ولا مرافقين أحياناً. يحضر في بعض الاجتماعات صامتاً ومراقباً، في بعضها الآخر مشاركاً ومؤثراً. لكنه، في صمته ومشاركته، «مجهول» دائماً، ولا يشارك بصفته التنظيمية: «المعاون الجهادي».

وإذا كان لمن يصفونه بالعبقري ما يستندون إليه من وقائع، فإنه لمن عرفوه شديد التواضع والبساطة. رجل عادي، لا يوحي بشيء مما كانه. وهذا ما وفّر له ميزة قلما توافرت لمن يعملون في الأمن والعسكر، فكان يتنقل بسيارات عادية بلا زجاج داكن، وحتى فوق دراجات نارية، ولم يكن يحيط نفسه بما يوحي بأنه «الحاج رضوان». وحتى عندما تواجد، تكراراً، في المواقع المحاذية لفلسطين المحتلة، والتي تخضع عادة لرصد اسرائيلي، لم يكن يحيط نفسه بما يوحي بأنه قائد كبير تخشى المقاومة على أمنه الشخصي. حتى المقاومون معه على الجبهات لم يعرفوا يوماً من هو. في إحدى المرات، كان عليه أن ينتظر حضور مسؤول أحد المواقع الحساسة للمقاومة ليؤذن له بالدخول بعدما أوقفه العنصر المرابط عند حاجز الموقع، رغم محاولة الحاج رضوان إقناعه بالسماح له بالدخول، مختبراً ردّ فعله. يومها، أوصى بإعطاء الشاب العنيد تنويهاً لقيامه بواجبه.

في مناسبة أخرى، كان عليه أيضاً أن ينتظر إذناً لدخول أحد المراكز، رغم أنه كان مضطراً إلى إجراء اتصال سريع على الشبكة الداخلية. تكرر ذلك أكثر من مرة، لكنه كان يأخذ الأمور برحابة صدر، ويرفض أي اعتذار لاحق.

في أثناء حضوره شرحاً لإحدى العمليات لمجموعة من المقاومين، اقترب أحدهم منه «حاج زيح شوي الله يخليك» من دون أن يعرف أنّ «الحاج» هو «رضوان» الذي «زاح» كما طُلب منه. هكذا عاش معهم وتكيف مع بقائه ذلك المجهول. رغم ذلك، بقي مصرّاً على تسديد جميل من أسدوا له جميلاً في مواقف عابرة، كتلك السيدة التي زارها مطمئناً إلى أحوالها بعد سنوات طويلة من لجوئه إلى منزلها في أثناء ملاحقة دورية إسرائيلية له في بداية عمله المقاوم.

يقول عارفوه إنّه رسم بعداً جديداً للقائد الأمني على الصعيدين الأخلاقي والنفسي، وجعل من تفكيره وسلوكه منظومة أخلاقية بعدما صقل نفسه منذ الصغر على تحرير السلطة التي بين يديه من الطمع والأنانية.

ستر إنجازاته كأنّها ذنوب يخشى انفضاحها. تلك مجهولية أخرى جعلت منه، حتى بعد استشهاده، سرّاً أعمق من الكتمان الذي يفرضه عمل الأمن والعسكر. ورغم أنه قاد انتصاري 2000 و2006، وإنجازات لم تُكشف بعد، ظلَّ على حال رجل لم ينجز شيئاً!