بينما كنت أغفو بعيدًا عن هذه الصفحة، كانت توقظني الكثير من الصفحات، تحرضني أن أكمل ما تبقى من معلقات، كانت إحدى المعلقات الكبرى رسالتي الماجستير التي أعكف عليها ليلًا ونهارًا، والتي تدرس "صورة المثقف"، والتي خرجت أبهى صورها اليوم مع صباحات اَذار، ليست صورةً عضوية لغرامشي، ولا صورةً ملتزمة لسارتر، ولا صورةً مثالية لجولدمان، ولا صورةً نقدية لإدوار سعيد. إنها صورة خرجت من التاريخ إلى الثورة، ومن الثورة إلى الانتفاضة، ومن الانتفاضة إلى الشهادة.

صورة "الباسل" الذي اتكأ بكامل وعيه، على "عرجته"، لينطلق بها إلى الثورة الكبرى عام 1936، اَخذاً بناصية التاريخ وصولاً إلى الانتفاضة، حيث يقف على "زقاق الموت" في الخليل، يشارك الثوار والمجاهدين والشهداء محطات رحالهم ومهراق دمهم، ويعيد علينا في زمن العورة الكبرى بعضًا من قبسات الطهر، علّنا نستر عرينا المفضوح. ويسير بنا مع فلسطين حين كانت تسمى "فلسطين"!.

خرج من "دفاتر السجن" ليعلن بإمكان الجميع أن يكونوا مثقفين، بإمكان "الضميري" - الذي اتهمه بأنه افتعل "ضربة رأسه"-، أن يكون مثقفًا. لكن ليس بإمكان أحد ولو كان ابن نبي أن يؤدي وظيفة المثقف، فكان هذا ابن الأنبياء حقًا، الذي بعث برسالته من السجن قائلًا: "لقد ركز الدعي بين اثنتين، بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة". وجاء من أقصى القرية في بيت لحم، إلى رأس السلطة في رام الله يتلو عليهم "المثقف والسلطة"، ويقول للذين يسري في دمهم حرارة وطن، إن "المثقف هو المشتبك، ما بدك تكون مشتبك، لا بيك ولا بثقافتك". لذلك كان حريَّا به أن يقف إلى جوار القلة المثقفين من الفلاسفة والملوك الذين اختارهم جولدان، أمثال المسيح والحسين وأبي ذر وسقراط وسبيونزا وفولتير ونتيشة وارنست رينان وسارتر وزولا وجيفارا وكاسترو وتشافيز، وعلي شريعتي وجورج حبش وناجي العلي وفتحي الشقاقي ونعمان طحاينة وعماد مغنية وعلي السكافي وبهاء عليان.

كان حريَّا بنا جميعًا، أن نقف لهذا "الإنسان الكامل" كما يقول سارتر، والذي يمثل قبساً من التاريخ، وشمساً من المقاومة، ودرساً في الوعي، وهمساً من الحب والوفاء والنقاء. فطوبى لفلسطين بفلذة كبدها "باسل"، الذي ارتقى باسلًا، وأبقى لنا العرج، فمن ذلك الذي يقاوم عرجته، ولا ينكسر، بل يكسر كل الحواجز وصولًا إلى ما أراد، أو حيث استحق ذلك!.

سلام عليكم، أيها الشهيد الحبيب "باسل"، الذي ما عرفناه إلا حين خرج والناس نيام، وقاوم فيما البنادق تخبأ للأعراس فقط، واستشهد في مرحلة السقوط، فيما هو ارتفع شهيدًا وشاهدًا ما بين القتلة وأعوان القتلة.

كُتبت هذه المقالة على عجالة، دون ترتيب مسبق، أو استدعاء المعنى، بل تداخلت كل الخطوط دفعة واحدة، حين قررت أن أكسر عزلتي وأكتب لهذه القامة التي تستحق أن نقف لها دقيقة صمت وألف دقيقة من الصراخ.

 

بينما كنت أغفو بعيدًا عن هذه الصفحة، كانت توقظني الكثير من الصفحات، تحرضني أن أكمل ما تبقى من معلقات، كانت إحدى المعلقات...

Posted by Mohamed Hejazi on Monday, March 6, 2017