بعكس ما قالته بعض الصحف الاسرائيلية التي حاولت الايهام بأن رئيس المكتب السياسي الجديد لحركة حماس لا يقل تطرفاً عن غيره لكن الحقيقة لمن يعرف السيد اسماعيل هنية يعرف أن هذا الرجل ربما الأكثر مرونة في حركة حماس وأن هذه المرونة اتضحت في أكثر من محطة في تاريخ حياته ويعرف أيضاً أن تكوينه الشخصي يتميز بالاعتدال والوسطية.

عرفته قبل حوالي ربع قرن في السجن جمعتنا هيئة التنسيق الفصائلي ذات مرة هناك ولأكثر من عام كان لنا اجتماع شبه يومي كان شاباً في النصف الثاني للعشرينات ، هاديء الطباع ، كان ممثلاً لحركة حماس لكنه بلا لحية والتي أطلقها متأخراً أثناء الابعاد الى مرج الزهور قال عنه الصديق المرحوم منصور ثابت الذي كان شريك الاعتقال : "أن هذا الشاب غير الملتحي والذي يبدو أنه غير متعصب هو الذي يشكل خطراً ومنافساً حقيقياً للتيار الوطني وليس المتشددين أصحاب اللحى الطويلة ".

عندما فازت قائمة حركة حماس التي ترأسها السيد هنية بأغلبية الانتخابات للمجلس التشريعي تذكرت ما قاله منصور ثابت، كان هنية خلال كل النقاشات التي تدور بين الفصائل وسطياً وعندما يختلف أو يعترض يخرجها بهدوء شديد متفائلاً بالاتفاق بعد حين وهو يعرف أنه كان ينقل الموقف النهائي لحركته لكن قدرته على تسويق الأمر كان يفوق أي قائد أو ممثل آخر للحركة.

هذا هو القائد الجديد لحركة حماس ابن الحركة الأمين لسياساتها لكنه يظهر أكثرهم ليونة رئيس اتحاد الطلاب في الجامعة الاسلامية وممثل حماس في السجون ثم الناطق باسمها ومدير مكتب الشيخ أحمد ياسين فقائدها في قطاع غزة وصولاً لزعيمها الأول هكذا صعد خلال العقود الثلاثة الأخيرة مخترقاً جيل من القيادات التاريخية في غزة لازالت موجودة بالرغم من غياب قيادات هامة بفعل الاغتيالات.

قبل أسبوع أعلنت حركة حماس عن وثيقة سياسية جديدة تتجاوز في الكثير من بنودها الميثاق القديم الذي تمت صياغته قبل ثلاثة عقود حينها كانت القيادات التي تقود الحركة الآن بعيدة عن مواقع القيادة وربما في الجيل الثالث، هذه الوثيقة حملت قدراً كبيراً من المرونة التي وان لم يكن باستطاعتها التقدم نحو النظام الدولي فهي على الأقل انحناءة أمام عاصفة ترامبية تعلن الحرب على الاسلام السياسي فقد تكون هذه الانحناءة أنقذت حركة حماس من الاستهداف.

نحن أمام مرونة مكتوبة لأول مرة وان كان هناك بعض الأحاديث أو التصريحات الوسطية التي صدرت سابقاً من قبل قيادات حمساوية لكن الآن أصبح الأمر جزء من وثيقة ثابتة تأمل حركة حماس أن تساهم في تقديمها للمحيط الاقليمي وللمجتمع الدولي كقوة مسئولة بالمعنى السياسي وليس قوة أيدلوجية ترتبط بالأخوان المسلمين وتعادي اليهود كديانة وتريد تدمير اسرائيل بل تقبل باقامة دولة على حدود الرابع من حزيران.

ولكن الوثيقة وحدها لا تكفي فالحركة بهذه الوثيقة بحاجة الى من يقوم بعملية تسويقها للعالم وهنا اللحظة التاريخية التي تنتخب فيها الحركة الرجل الأكثر قدرة على تسويق الحركة ويمتلك من المؤهلات الفردية أكثر بكثير من غيره للقيام بهذه المهمة التي تتطلبها الضرورة السياسية بعد أن تعثرت لعشر سنوات وهي تحاول كل مرة أن تقدم نفسها للعالم دون جدوى فالميثاق كان حائلاً طبيعياً مثل الجدار لما فيه من جمل متشددة شديدة الوضوح والأمر الثاني لأن قيادة الحركة السابقة وقعت في بعض الأخطاء الاقليمية زادت من عزلة الحركة كالموقف من سوريا الذي أغضب ايران الداعم الرئيسي للحركة بل أن ايران وضعت شرط تحسن العلاقات مع حماس بغياب السيد خالد مشعل وكذلك مصر وزيارات مشعل لمقر الاخوان ولقاءاته بالمرشد والرئيس السابق مرسي .

اذن نحن أمام تكامل مدعاة للتأمل حركة وخلال أسبوع واحد تضعنا أمام وثيقة مرنة وقائد مرن، هل كان هذا جزء من المصادفات الطبيعية أم لا ؟ وبغض النظر عن الاجابة فان هذا التماثل بين الرجل والسياسة يعني الكثير لما يمتلكه هنية من قدرة عالية على تسويق الحركة بشكل مختلف عن غيره هذا التماثل يعني أيضاً أن حركة حماس أمام نوعاً من الكسر لجدار العزلة الذي ساد خلال الأعوام الماضية ليس بالمعنى الكلي كما تأمل الحركة ولكن نوع من اذابة جليد العلاقات والحوار مع دول اقليمية منها مصر والسعودية وربما تشهد بعض حوارات مع محيط دولي غير رسمي حماس أمام مهمة جديدة اختارت القائد الأكثر قدرة لها.

خاص نبـأ برس|| نسمح بإعادة النشر شرط ذكر المصدر.. يُحظر القيام بأي تعديل، تحوير أو تغيير في النص.

[email protected]