النتيجة التي أمامنا والتي ظهرت بالأمس في جامعة بيرزيت بعدما فتحت صناديق الانتخابات أن التيار الوطني كله في كفة وحركة حماس في كفة أخرى، قد لا تتمكن الأخيرة من تشكيل مجلس الطلاب اذا ما تحالفت حركة فتح مع الجبهة الشعبية لكن ذلك لا يلغي التوازن والحقيقة التي تشكل خسارة للتيار الوطني بمجمله وليس حركة فتح وحدها.

لقد أجريت انتخابات في كثير من جامعات الضفة الغربية وفازت بها حركة فتح ، لكن خصوصية هذه الجامعة أنها كانت منذ نشأتها تشكل توازناً وميداناً حقيقياً للتنافس ولقياس انزياحات الرأي العام، وقد بلغت تلك المنافسة ذروتها قبل حوالي ربع قرن في انتخابات عام 93 والتي كانت الأكثر صخباً في تاريخ الجامعة ، كانت تمثل لحظة الانقسام الفلسطيني على عملية التسوية، يومها كان فيصل الحسيني وحيدر عبد الشافي وقادة كبار آخرون يحضرونها ويترقبون في الدقائق الأخيرة على أعصابهم وعلى الجانب الآخر كان ياسر عرفات من تونس يتابع على الهاتف كل شيء.

لا يمكن التقليل من خسارة التيار الوطني في بيرزيت فتلك الجامعة موجودة في محافظة رام الله وهي المدينة العلمانية والأكثر انفتاحاً وتعتبر واحدة من أهم تجمعات الفلسطينين المسيحيين ذلك يعني أن رام الله بالمعنى الثقافي والحضاري أقرب للتيار الوطني منها للاسلام السياسي وقد كانت الجامعة في ثمانينات القرن الماضي واحدة من أهم معاقل اليسار الفلسطيني ارتباطاً بتلك البيئة فما الذي حدث لنجد كل هذا التناقض فيها.

بالقرب من الجامعة في رام الله تتواجد المقرات المركزية للسلطة الوطنية وامكانياتها وكذلك مكان سكن وتواجد لكافة كوادر القوى الوطنية ومنظمة التحرير والذين يبدو أنهم لا يزورون الجامعة وكذلك مكان التواجد الدائم لأعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح كل ذلك وغيره يفترض ألا يحصد التيار الوطني تلك النتيجة التي لن تحدث الهزة المطلوبة تماما كما كل الأعوام السابقة في خساراته .

عادة ما تخسر السلطة في منطقة حكمها يبدو أن الناس تأخذ موقفاً معاكساً من الحكم في الانتخابات وفي هذا ربما ما يواسي السلطة بأن تلك الخسارة تبدو معقولة قياساً فيما لو أجريت الانتخابات في قطاع غزة تحت سلطة حركة حماس ربما ستبدو المسافة بين حركتي فتح وحماس كبيرة جداً لذا يفسر المراقبون عدم سماح الحكم في غزة باجراء أية انتخابات لأن النتيجة ستكون صادمة لحماس فيما أن الناس في الضفة الغربية لم يجربوا حكم الحركة الاسلامية وتجربتها التي عرفها قطاع غزة جيداً.

في الضفة تجري انتخابات وهذا يحسب لحركة فتح التي تمكن من تحقيق حالة من الحيوية في المجتمع الفلسطيني فالانتخابات الطلابية في موعدها وهي تتعلق بالشباب الذين يشكلون النسبة الأكبر في المجتمع الفلسطيني فيما أن الطلاب في قطاع غزة محرومون من ذلك، الطلاب والمهندسين وباقي مؤسسات المجتمع بلا انتخابات ولا غيره ، حالة من الجمود تكتنف المجتمع بعكس الضفة ويحسب لحركة فتح أيضاً أنها تنهزم وتسلم بالنتائج مجردة من كل عوامل القوة والأمن.

اللافت هنا أنه على مقربة من جامعة بيرزيت قبل نصف عام عقدت فتح مؤتمرها ومارست ديمقراطيتها الانتخابية، وهذا الأسبوع قبل أيام كانت حركة حماس تنهي انتخاباتها الديمقراطية التي جرت في هيأتها ومؤسساتها وتنتخب رئيساً جديداً للمكتب السياسي، فيما يهنيء العالم حركتي فتح وحماس على اجرائهما للانتخابات لا أحد يهنيء الشعب الفلسطيني على هذا الحق وتلك الممارسة بسبب الخلاف بين الحركتين وهنا المفارقة أن الانتخابات باتت محصورة على آخرين يملكان كل الامكانيات ويفعلان ما يشاءان ويحرمان الشعب من أبسط حقوقه لماذا ؟ ومن السبب؟

بيرزيت نموذج للحالة الشعبية الفلسطينية ولرقي هذا الشعب عندما يتاح له ممارسة حقه، رأينا مناظرة حامية أشعلت وسائل التواصل الاجتماعي بين شبان يمثلون جيلاً جديداً يتنافس بشرف وبحرية متحرراً من أزمة الجيل القديم وصراعاته، يتناظرون بلا خوف ولا عنف ..أنه مشهد مدعاة للدهشة والأمل أيضاً، هي الجامعة التي ظلت تمثل نموذج الفلسطيني في التوافق والاختلاف والتنوع الديني والثقافي ورمزاً للكفاح الفلسطيني وتمثل النموذج الحقيقي فيما لو أتيح لهذا الشعب أن يمارس حقه في الانتخاب لكنه يمنعونه من ذلك محافظين على مشهد الاستبداد أمام العالم.

حركة حماس التي كانت تحتفل بنتائج انتخابات الجامعة التي تجري في الضفة الغربية لم يخطر ببالها أن تلك تمنع في غزة هذا تجعل من احتفالها يحمل قدر من الذاتية عندما يتعلق الأمر بمصلحتها فقط ، فالناس أيضاً تريد أن تحتفل في غزة، دون التقليل من فوز حماس بالأمس وخسارة الوطنيين في مدينتهم...!!

خاص نبـأ برس|| نسمح بإعادة النشر شرط ذكر المصدر.. يُحظر القيام بأي تعديل، تحوير أو تغيير في النص