أعان الله جيلاً مثقلاً بذاكرة الرحيل والهروب الأخير، يمكن لجيلنا تخيل المشهد في العدوان الأخير على غزة عندما كانت المجازر والهروب هما المشهد الطاغي على العرب أدركنا ما حصل ذات يوم على يد العصابات اليهودية مدعومة من بريطانيا العظمى ضد شعب أعزل، فقد تسلحت تلك العصابات فيما كان أهلنا يحاكمون على حيازة رصاصة فكانت النتيجة الوحيدة تجريدنا من أرضنا وانتزاعنا من تلك المدن والقرى التي احتضنت تاريخنا وذكرياتنا.

فقد الفلسطيني أرضه وصلته بالمكان لكن الأخطر فيما حصل قبل تسع وستون عاماً هو أن المجتمع الفلسطيني تعرض لضربة فتوقف عن التطور ، تمزقت وحدته وتشتت الى بقاع الأرض ما هدد بتفتيت هويته الوطنية الموحدة التي نمت منذ أحد عشر ألف عام منذ اكتشاف الزراعة وساهمت بتكوين الشخصية الوطنية أو ما يعرف بالهوية الوطنية وهذا أخطر ما تعرض له المجتمع الفلسطيني الذي أريد له الذوبان والاضمحلال.

لقد توزع الشعب الفلسطيني الى عدة تجمعات بلا رأس سياسي وطني أبرزها التجمعات الثلاثة الأكبر، في اسرائيل تحت الحكم الاسرائيلي وفي الضفة تحت الوصاية الأردنية وفي غزة تحت الوصاية المصرية وما تبقى في الشتات ، فبدأت تتبلور في كل منطقة ثقافة مختلفة عن الأخرى بلا رابط مشترك للشعب الفلسطيني وهنا ربما كان الحدث الأبرز بعد النكبة هو تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية والقوى الفلسطينية التي أعادت تأطير وتجنيد الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده وفقاً لقضيته الوطنية التي عاشت لمدة عقدين بعد النكبة بلا روابط ، فأعادت المنظمة احياء الثقافة الوطنية الجامعة وأغاني الثورة والتراث والدبكة الفلسطينية والنشيد الموحد والشعار الموحد والبرنامج الموحد ومن هنا بدأ الشعب الفلسطيني يستعيد جزء من نموه وتواصله الثقافي رغم عوائق الجغرافيا بوحدة الشعار والهدف.

استكمال احتلال اسرائيل لكل فلسطين عام 67 أدى الى اعادة التواصل بين مكونات المجتمع الفلسطيني في الداخل وبالتالي كانت سنوات السبعينات والثمانينات تعيد بناء المجتمع من جديد وتعيد صياغة وعيه الوطني بشكل جامع ما مهد للانتفاضة الأولى التي تحرك بها موحداً في كل المناطق لكن بعد مجيء السلطة والانتفاضة الثانية عاد المجتمع الفلسطيني للفصل من جديد وبدأت اسرائيل تستغل الانتفاضة لتقسيم المدن وعزلها مرة أخرى.

تداعيات النكبة عام 48 كانت خطيرة على المجتمع الذي توقف بصدمة عن النمو واحتلت اسرائيل الشريط الساحلي ومدنه فأدى ذلك الى منع التواصل مع العالم الخارجي ولم تبق سوى غزة كمدينة ساحلية والتي لم يكن قدرها مصادفة أن تتحمل اعادة بعث الهوية الوطنية والثورة الفلسطينية من جديد رغم فداحة الثمن والتي شكلت على امتداد تاريخ الثورة دفيئة الكفاح الوطني وانطلاقات الفصائل.

ما حدث عام 2007 لا يبالغ الفلسطينيون عندما يقولون أنها النكبة الثانية لأن تداعياتها على المجتمع الفلسطيني لم تكن أقل من النكبة الأولى فاذا كانت الأولى قد وجهت ضربة لتواصل الشعب الفلسطيني سياسياً وجغرافياً واستمرار نموه الطبيعي وأدت الى تفتيته فان ما فعله الانقسام هو نفس المأساة التي حدثت للشعب الفلسطيني اذ أعادت تقسيمه جغرافياً وسياسياً تحت نظامي حكم الأول في الضفة الغربية امتداداً لتراث الشعب الفلسطيني وهويته الوطنية والثاني تم عزله في قطاع غزة تحت حكم ذا طابع اسلامي يحاول تشكيل هوية مختلفة وتعبير نفسه وريثاً لثقافة مختلفة وهنا مع الزمن بدأ يبرز تباين كبير بين سكان قطاع غزة والضفة الغربية ومع استمرار عزل غزة أصبح الغزيون كأنهم جزء مختلف عن باقي الشعب الفلسطيني وهنا نكبة حقيقية لا ينبغي التقليل منها.

الثابت أمامنا هو عجز الفصائل عن تحرير فلسطين أو اقامة الدولة بالقوة المسلحة ولا بالمفاوضات برغم ما أعطيت من قوة وصلاحيات وأموال وزمن ممتد على مساحة الدم المسفوك وهي تجرب برامجها ليس هذا فحسب واذا لم تكن قادرة على تحقيق الأهداف الكبرى فاننا أمام نتيجة مخيفة هي صناعة نكبة ثانية ليس أقل من الأولى وهذا يستحق اعادة النظر في المكون السياسي القائم بلا عواطف واعادة محاكمة من جديد ، فمنذ عشر سنوات يعيش الفلسطيني نكبة مركبة الأولى بفعل اسرائيلي والأخرى بفعل فلسطيني منذ سنوات كف المجتمع الفلسطيني عن النمو والتواصل والتطور كمجتمع موحد هل هذا يكفي للحكم؟؟.

خاص نبـأ برس|| نسمح بإعادة النشر شرط ذكر المصدر.. يُحظر القيام بأي تعديل، تحوير أو تغيير في النص