واقع معيشي مزر يعيشه الفلسطينيون في قطاع غزة، بفعل الحصار المشدد المفروض على القطاع والإجراءات العقابية الأخيرة المتخذة من السلطة بحق الموظفين باستقطاع جزء من رواتبهم، تزامناً مع الذكرى الـ69 لنكبة العام 1948.

ويراكم الواقع على سجل الخيبات التي يعانيها أهالي غزة على وجه التحديد من الفلسطينيين الذين لربما عايشوا النكبة مرة واحدة على الأقل أو مرتين، فيما أن غزة تعيش على مدار العشر أعوام الأخيرة نكبة واحدة بحد أدنى يومياً، بما جعل من يوم ذكرى النكبة يوماً عادياً في حياة هؤلاء المحاصرين.

وفي ظل الوضع الراهن الذي يعيشه القطاع، تبدو فعاليات إحياء ذكرى النكبة باهتة مقارنة بالأعوام الأخرى، حيث لا تزيد في أعلى سقف عن حدود عقد المؤتمر الحادي عشر للحفاظ على الثوابت، ولا تقل عن إقامة معرض فني.

المشاركون من قادة فصائل العمل الوطني والإسلامي في المؤتمر الذي عقد أمس الأحد في قاعة فندق كمودور، حذروا من خطورة الاقدام على التنازل عن أي من الثوابت الفلسطينية. بيد أن وثيقة حماس السياسية التي أُعلن عنها قبل نحو عشرة أيام لايزال يوجه لها أصبع الاتهام بالتراجع عن سقف مطالبها بدولة على كامل التراب الفلسطيني، وقبلت بدولة على حدود العام 1967.

غير أن القيادي في حماس محمود الزهار قد أكدّ أن خيار الحلول السياسية غير مطروحة الان، وأن ما هو مطروح هو الاستسلام للرغبات الدولية الرامية للتنازل عن القضية الفلسطينية.

ولعل هذا التصريح، يدلل على أن القضية الفلسطينية تقف الآن على مفترق طرق خطير، بين أن تقبل حماس بالعدول عن ميثاقها الذي لا يعترف مطلقاً بإسرائيل وحقها في الوجود، انسجاماً مع قواعد اللعبة السياسية الدولية، وإما أن تبقى ترزح تحت الحصار المشدد في قطاع غزة.

غير أن البسطاء من الناس الذين لم يعودوا يؤمنوا بالعمل السياسي ولا خرائط الطريق، فأسمى ما يصبون إليه الآن هو إيجاد حل جذري لصراعهم المرير مع الأزمات المتلاحقة بدء بالكهرباء التي يستمر انقطاعها لما يزيد عن 20 ساعة يومياً، وفتح المعبر أمام المرضى وأصحاب الإقامات والطلبة. واتاحة فرص التشغيل أمامهم على ضوء تضخم نسبتي الفقر والبطالة إلى مستوى يفوق الـ50%.

فالبؤس الذي تحمله ملامح سائق أجرة يعمل في شوارع غزة، كفيل بالحكم عليه بأنه خارج لتوه من نكبة جديدة، فأمام أزمة الأعطاب التي تتعرض لها السيارات والحاجة الماسة لتوفير قوت يوم أطفاله وعدم قدرته على دفع إيجار مسكنه، يحصر مفهوم الدولة في ذهنه، فقط في قدرته على صناعة دولته الخاصة وبسط سيطرته عليها حتى لو في حدود 50 متراً.

حتى كبار السن الذين كانت تستفز ذكرى الـ 15 من مايو/أيار من عام 1948، مشاعرهم وتنبش ذاكرتهم، ما عادوا سوى صورة في برواز لرجل يحمل مفتاحاً أو سيدة ترتدي ثوبا مطرزاً، وجل تفكيرهم الآن منحصر في توفير ثمن أكفانهم، بعدما تضاعفت قيمة السلع حتى أضحت تكلفة الموت باهظة أيضا. ولعل هذا مؤشر خطير على ما آلت إليه أحوال اللاجئين الفلسطينيين المحاصرين في غزة، فقد قوضت السياسة أحلامهم بما لا يسمح لهم بالنظر إلا لحجم المعونة التي يتلقونها من وكالة الغوث (الأونروا) وكمية السكر والأرز وعلب السردين، ولعل بطاقة التموين هي الشاهد الوحيد الآن على أننا لاجئين.

أما مفتاح العودة، الذي ظل لزمنٍ يمثل أيقونة حنين للأرض، أضحت الحاجة إلى مفتاح معبر رفح أكثر جدوى من المناداة بعدم اسقاط مفتاح العودة، فالحاجة إلى السفر والحرية صارت معجزة وليست حتى حلم!.

الآن في غزة تجد شعباً قرصته عقارب السياسة النجسة، وأعمته الكهرباء بلعنة سوادها لأكثر من عشرة سنوات، وعصره الجوع تحت وطأة الفقر، وأقعده المرض، وحبسه الحصار في سجن مطوق بالقناصة، والآن يحرم حتى من الاستجام على الشاطئ بعد أن صار البحر مستنقعاً للمياه العادمة!. ياسادة الحروب: امنحوا الشعب أدنى احتياجاته حتى تجدوا فيه من يقاتل على جبهاتكم حينما تحل غداً نكبة جديدة.