في ذكرى نكبة عام 1948 التي حلّت بشعب فلسطين، يبقى مسلسل النكبات مستمراً. إسرائيل لم تتوقف عن سياساتها التقليدية وإجراءاتها ضد الشعب والأرض، وتمكنت أن تضيف عناصر عربية وفلسطينية متحالفة معها في مواجهة الصمود الشعبي الفلسطيني.

تلك أيام كان الصهاينة وحدهم يقتلون الناس ويطردونهم من ديارهم ويشتتونهم، ولم يتوقفوا حتى الآن عن إبعاد الناس واتباع سياسات متنوعة من شأنها في النهاية أن تجبرهم على الرحيل، لكن لم يعودوا وحدهم هم الذين يتبنون هذه السياسات، بل بعض الفلسطينيين أصبحوا شركاء بسياساتهم الخاصة التي تدفع بشباب فلسطينيين دفعاً خارج الديار. أراد الصهاينة أرضاً بلا شعب فطردوا الناس، لكن وجودهم بقي يشكل حافزاً قوياً للفلسطينيين للصمود والمقاومة وتطوير المنظومة القيمية المتناسبة مع هدف التحرير.

 مع كل هذه السنين الطوال المليئة بالحسرة والألم والأحزان، ما يزال الفلسطيني يحمل أمتعته على ظهره ويهيم على وجهه.

سيستمر الصهاينة بسياساتهم التهجيرية لأنهم يؤمنون بأن فلسطين الانتدابية (أي القائمة حالياً والتي رسمها الإنكليز والفرنساويون)  يجب أن تكون دولة اليهود، ولا يؤمنون بحقوق عربية أو فلسطينية فيها. وواضح أن إسرائيل تعمل الآن بجد واجتهاد على تهويد الضفة الغربية من خلال تعزيز التجمعات السكانية الصهيونية وتحويلها إلى بؤر تدور حولها أفلاك قروية فلسطينية. وسياساتهم ستطال الفلسطينيين في الأرض المحتلة/48 الذين يشكلون حوالي 20% من السكان. لكن ماذا عنا نحن الذين نتحدث ليل نهار في وسائل الإعلام ضد السياسات الصهيونية؟

لم يعد الحديث عن نكبة عام 1948 كافياً، بل لا بد أن نتحدث عن نكبات متتالية تقع على رأس شعب فلسطين. كثرت وعود التخلص من آثار النكبة وتحقيق التحرير فإذا بشعب فلسطين يغرق في نكبة تلو أخرى دون أن يكون الصهاينة بالضرورة فاعليها المباشرين، وأصبح الفلسطينيون أنفسهم والعديد من العرب هم الفاعلين. 

كان وجود الاحتلال حافزاً يدفع نحو التحدي، وأصبحت السلطة الفلسطينية ودول عربية عوامل طرد تدفع فلسطينيين للرحيل عن وطنهم. رحل فلسطينيون عن الأرض إثر هزيمة حزيران/1967، وعانوا الكثير في حرب أيلول /1970، وتوالت النكبات من نهر البارد إلى مخيم اليرموك، وإلى الاقتتال الفلسطيني في البقاع اللبناني، والاقتتال في غزة، الخ. وتمثلت أعظم النكبات في التنسيق الأمني بين إسرائيل وفلسطينيين يقوم بموجبه فلسطينيون بالعمل كوكلاء للاحتلال في ملاحقة المناضلين. وقد مرت أسرتي بتجربة من هذا القبيل عندما نشرت زوجتي طلباً للجوء السياسي بسبب اعتقالي في سجن أريحا من قبل عملاء الاحتلال الفلسطينيين.
 
ما بين الصمود والرحيل

كنا نتحدث كثيراً في سنوات خلت حول الصمود، وكنا نعقد المؤتمرات والندوات والمحاضرات حول ذلك من أجل أن يثبت الشعب ويصمد في مواجهة سياسات الاحتلال. وكان الشعار يتلخص في أن من لا يستطيع المقاومة يستطيع البقاء على الأرض. وبالرغم من ذلك، كان يهاجر سنوياً آلاف الفلسطينيين ليجدوا إقامة لهم في دول عربية بخاصة الأردن، أو في الدول الغربية وغيرها. حصل استنزاف سكاني من الأرض المحتلة/67 بخاصة الضفة الغربية منذ عام 1967، ولو لم يحصل ذلك، لوصل عدد السكان في هاتين المنطقتين الآن، حسب تقديري، إلى حوالي ستة ملايين نسمة.
 
لم تكن سياسات منظمة التحرير الفلسطينية الخاصة بصمود السكان على مستوى التطلعات، والكثير من الأموال لم تكن تصل إلى مستحقيها. وكذلك كانت سياسات الأردن التي فتحت الجسور وقبلت بهجرة الفلسطينيين التدريجية، واستخدمت الأموال أيضاَ من أجل تعزيز مؤيدي النظام في الضفة وغزة. كانت السياسات عامة موجهة نحو مصالح القيادات دون مصالح الشعب، وكانت صرخات دعم الصمود تبدد في الغالب في أجواء الفساد المالي.
 
يبدو أن شعار الصمود قد تراجع في السنوات الأخيرة ليطغى عليه شعار الرحيل. أعداد متزايدة من شباب فلسطين يتطلعون إلى الرحيل بسبب عوامل الطرد الداخلية، ويبحثون عن إمكانات الهجرة إلى دول مثل السويد والنرويج وكندا وأستراليا والولايات المتحدة. هناك من هاجروا من الضفة الغربية وقطاع غزة بالفعل، لكننا لا نملك إحصاءات، ولا حتى أرقاماً تقريبية تعطينا مؤشراً حول مدى استجابة الدول المعنية بالطلبات المقدمة من قبل فلسطينيين.
 
الحديث عن الرحيل مترافق مع هبوط واضح في معاني الصمود والوطنية والتضحية من أجل الوطن، وفي معاني المصير المشترك، وحق تقرير المصير، وفي تراجع عقلية العطاء والتحرير لصالح العقلية الاستهلاكية والمصالح الخاصة. وقد تراجعت قيم الوطنية والالتزام إلى درجة أن التنسيق الأمني مع إسرائيل أصبح مقبولاً من قطاعات واسعة من الناس، وإلى درجة أن الاعتراف بإسرائيل أصبح أمراً عقلانياً لا يستحق رافضه سوى الاتهام بالتطرف والانتماء إلى عقلية قديمة متحجرة. 
هناك عوامل طرد فلسطينية تنسجم مع سياسات التهجير الإسرائيلية، أسوق منها:

أولاً: اتفاق أوسلو وما ترتب عليه من اتفاقيات. ساهمت الاتفاقات مساهمة مباشرة في ضرب مفاهيم الالتزام الوطني، وكانت بمثابة عصا غليظة على رؤوس فئات كثيرة من الناس بخاصة على رؤوس الذين ضحوا واعتقلوا من أجل أهداف وطنية تحريرية. لقد هبطت الاتفاقيات بمختلف معاني الوطنية والقيم السامية التي كافح من أجلها شعب فلسطينين وحولت المناضلين إلى هوامش على موائد الذين ارتبطوا بغير الوطن، وبالأغيار من خارج الوطن.
 
ثانياً: ترافق مع اتفاق أوسلو مزيد من الاستقطاب الفصائلي والتوتر الداخلي الفلسطيني، وانتهت الأمور إلى اقتتال دموي أدى إلى ما هو عليه الشعب الآن من تفسخ وانقسام. كنا نختلف قبل الاتفاقيات على أساليب ووسائل النضال الوطني، لكننا أصبحنا نختلف بعد الاتفاقات على النضال الوطني نفسه، وعلى الوطن.
 
ثالثاً: أخذ يتعرض فكر المقاومة إلى هجوم داخلي متواصل إلى درجة أن بعضنا أصبح يسميه إرهاباً. المقاومة أصبحت تهمة تعبر بصاحبها إلى سجون الصهاينة وسجون الفلسطينيين، وتحول المقاوم إلى الاغتراب المؤلم الذي لم يعد يشعر معه أنه في بيته أو وطنه.
 
رابعاً: حال التعصب الفصائلي دون إقامة برامج ثقافية واجتماعية وفكرية فلسطينية، وتحولت الأجواء الثقافية والاجتماعية إلى أسواق فصائلية مفرغة من المحتوى والمضمون، وأدت في النهاية إلى مزيد من التيه الفلسطيني والضياع.
 
خامساً: حالت سياسات الفصائل الفلسطينية دون البحث عن كفاءات الشعب الفلسطيني، وأصبح التوظيف مرتبطاً بالانتماء الفصائلي وليس بالانتماء الوطني، بالانصياع والولاء، وليس بالكفاءة والمؤهلات، بالنفاق والدجل وليس بحصافة الرأي والقدرة على العطاء. تصدر الجهلة وغير القادرين والفهلويون المشهد العام، وتراجع أصحاب العلم والمعرفة، وأهينوا في كثير من الأحيان من قبل من لا عقول في رؤوسهم ولا أخلاق في سلوكهم.
 
سادساً: في المجمل العام، هناك ممارسة عنصرية في الداخل الفلسطيني، وهي عنصرية الفصيل، وعنصرية تأييد الاتفاق مع الصهاينة، وعنصرية ارتداء غطاء الرأس من عدمه، وعنصرية مكان السكن، الخ. هذه عنصرية تخدم سياسات فرق تسد، والتي بدونها لا يستطيع من يتمسك بكراسي الحكم أن يستمر على كرسيه.
 
سابعاً: هناك صراع على الرواتب والمراتب، وطبعا بين الذين لهم حظوة لدى الماسكين بزمام المال، ولا مجال أمام الذين لا يشاركون في هذا الصراع إلا الانزواء أو الهروب.
 
ثامناً: كان الشك السياسي والأمني قيمة أساسية بين الناس في سنوات خلت بسبب تغلغل أجهزة مخابرات مختلفة بين الصفوف، لكن الشك ازداد بعد الاتفاقات مع إسرائيل وبعد الانقسام، وأصبح الفلسطيني لا يأمن أخاه. حياة الشك قاسية وصعبة، ولم يعد هناك اطمئنان حتى للحيطان التي بات لها آذان. لم تعد العلاقات بين الناس تقوم على الثقة المتبادلة، وإنما على الشك المتبادل الذي ينسجم مع منظومة قيمية وطنية منهارة.

صمود من أجل الوطن
هل قاتل الشعب الفلسطيني من أجل جاه أو مال؟ أم جهاداً في سبيل الله من أجل الوطن؟ علينا أن نبقى قابضين على الجمر، وعلينا أن نصمد ونستمر في امتصاص الألم والمعاناة. فجر الحرية قادم، ومعها بالتأكيد يأتي التحرير الذي تستقيم معه الأمور. لا شك أن الظروف الداخلية صعبة جداً وقاسية، لكن هذا وطن، وليس قطعة أرض يمكن أن نهجرها. وطننا لنا، وعليه نصمد ونعيش ونحيا، وفوق ثراه نصنع التاريخ، وفي أحضان ترابه تلتف أجسادنا. نحن لا نجاهد من أجل مصلحة، وإنما في سبيل الله من أجل وطن الأجيال: وطن بناتنا اليافعات وأبنائنا الميامين، وأطفالنا الواعدين، ومن أجل نسائنا وشيوخنا على مر السنين. 

المصدر: "الميادين" - عبد الستار قاسم