تباينت مواقف الفصائل الفلسطينية من وثيقة سياسية للتطبيع مع إسرائيل، عرضتها دول خليجية على راسها السعودية، تتضمن تطبيعاً كاملاً في العلاقات بشكل تدريجي مقابل تقديم الاحتلال بعض التسهيلات للفلسطينيين.

الوثيقة التي كشفت عنها صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية قبيل أيام من عقد قمة عربية إسلامية_ أميركية في الرياض، طرحت على (إسرائيل) تبادلا في الاتصالات المباشرة، والسماح لطيرانها المدني بالتحليق فوق المجال الجوي لدول الخليج، وإلغاء القيود المفروضة على التجارة معها، وغيرها، مقابل وقف جزئي للاستيطان في مناطق الضفة الغربية وتخفيف الحصار المفروض على قطاع غزة.

حركة الجهاد الإسلامي وعلى لسان ممثلها في لبنان أبو عماد الرفاعي، لم تستعبد أن يتم العمل داخل أروقة السياسة العربية على تصفية القضية الفلسطينية تحت شروط يُسَوقها البعض انها تأتي نصرة للفلسطينيين.

بدوره اعتبر عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية كايد الغول، أن هذه الوثيقة إذا ما ثبتت صحتها، فإنها تعكس تراجعا كبيرا في الموقف الخليجي الداعم للفلسطينيين، وتأتي في إطار المحاولات الرامية للتماهي مع المطالب الاسرائيلية بالتطبيع.

وقال الغول: "إن ما تطرحه الوثيقة من وقف جزئي للاستيطان وتخفيف للحصار عن غزة يبتعد كثيرا عن مطلب الانسحاب الاسرائيلي من اراضي 1967، وتامين دولة فلسطينية عاصمتها القدس مع عودة اللاجئين"، مضيفا "أن مطلب الوقف الجزئي هو اعتراف بشرعية الاستيطان والتسليم له".

الهوة الساحقة بين المطالب الفلسطينية والعروض الخليجية ستعطي الاحتلال الاسرائيلي عامل قوة لرفض الإقرار بحقوق الشعب الفلسطيني، والتغول اكثر في مشاريعه داخل الأراضي المحتلة، حسبما يؤكد الغول.

بينما رفضت حركة حماس التعقيب لمراسلنا على الوثيقة الخليجية، مبدية حرصها على مستقبل العلاقات معها وعدم رغبتها بإلحاقها مزيد من التوتر، خاصة وان الوثيقة لم تُتداول بشكل رسمي.

وسارت حركة فتح في نفس الاتجاه، رافضة التعقيب، مكتفية بالقول على لسان المتحدث باسمها فايز أبو عيطة، إنها تثق بأن الدول العربية ستتعامل مع الاحتلال انطلاقا من ما نصت عليه المبادرة العربية.

وعن القمة العربية الإسلامية – الأميركية المرتقب عقدها في 21 أيار/مايو، رأى "الرفاعي" ممثل الجهاد الإسلامي أن حالة من الضعف والخنوع تمر بها الأمة العربية في الوقت الراهن تأتي استسلاما للإرادة الأميركية، والتي تخطط لحرف البوصلة في المنطقة العربية، واستبدال الصراع "العربي الاسرائيلي" بصراع "إسلامي إسلامي".

وحذر الرفاعي من أن الأمة العربية والإسلامية تواجه في الوقت الراهن أخطر تحدياتها.

من الواضح أن الإدارة الأميركية تسعى من وراء القمة، إلى تحضير المنطقة لفتنة كبري لن تُبقى ولن تذر، وفقا لقول الرفاعي، تسعى بشكل مباشر لاستهداف القضية الفلسطينية وجني المكاسب لصالح الاحتلال.

ويكمل ممثل الجهاد الإسلامي في لبنان حديثه، هناك تداعيات كارثية تحملها القمة العربية الاميركية ليس فقط على القضية الفلسطينية، بل على العالم العربي والمنطقة بشكل أعم، ستُفتتح بتقديم تنازلات لأميركا وإسرائيل، على حساب الحق التاريخي للشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية.

في حين تُمهد النقطة الثانية لفتح أبواب العواصم العربية أمام الكيان الاسرائيلي كشريك في المنطقة سياسيا واقتصاديا وأمنيا، يتابع الرفاعي، وهذا القول يتقاطع مع ما أشرنا إليه في بداية التقرير من طروحات خليجية.

ونوّه إلى أن تداعيات هذه القمة ستطال قوى المقاومة الفلسطينية واللبنانية كمُستهدف أساسي، بالضغط عليها ومحاصرتها، بعد ما نجحت الولايات المتحدة ومعها الكيان الاسرائيلي بقولبة مصطلح الإرهاب على قياس الحركات المقاومة للاحتلال، ودفع الأنظمة العربية للتعاطي معها من هذه الزاوية.

بينما شدد "الغول" القيادي في الجبهة الشعبية، على أننا كفلسطينيين نقف أمام تحولات خطيرة، تبتعد في جوهرها عن مساندة الشعب الفلسطيني في تامين حقوقه وتقريرمصيره وتعطي الولوية لتشكيل حلف سني عربي إسرائيلي بقيادة اميركا، مضيفا أن المستفيد الاول والاخير من كل ما يتم طبخه في المنطقه هي (اسرائيل).

في الغضون، رأى الكاتب والمحلل السياسي عادل سمارة، أن القمة والوثيقة الخليجية ما هي إلا حلقة في سلسلة مشاريع صهيوأميركية لتقويض حركات المقاومة والاحتيال على القضية الفلسطينية.

واستهجن سمارة ما تقدمه الوثيقة من "استغباء" وتقليل من الشأن الفلسطيني، إذا تحاول إلهاءهم ببعض الدمى كالاطفال، مؤكدا أن هكذا اطروحات لن تكون من افكار ال سعود بل هي افكار اميركية أُلبست ثوبا سعوديا.

يبدو أن سيول المياه الدافئة التي كانت تجري بين عدد من الدول العربية والكيان الاسرائيلي أسفل الجليد، بدأت تتحسس طريقها للسطح، وفقا لما يراه المراقبون، لافتين إلى أن المتتبع لأخبار المنطقة على مدى الشهور القليلة الماضية يجد انها تحولت لما يشبه خلية نحل، كثفت فيها الزعمات العربية والأميريكة والاسرائيلية الاتصالات الهاتفية واللقاءات السرية والمعلنة لتهيئة الأوضاع امام إنجاح أهداف قمتهم المرتقبة.