مما لا شك فيه أن المخطط الإسرائيلي بالسيطرة على المسجد الأقصى أو تقسيمه قد تلَقى ضربة قوية بعد الهبة الشعبية الفلسطينية المقدسية التي أجبرت الحكومة الإسرائيلية على إزالة البوابات الحديدية الإلكترونية بعد إقامتها عقب عملية القدس الفدائية. ومن الواضح أن حسابات العدو الإستراتيجية أخطأت في تقدير ردة الفعل الفلسطينية خاصة المقدسية في ظل الأوضاع الفلسطينية والعربية والدولية التي تسير لصالح (إسرائيل). ومن الأكثر وضوحاً أن الشعب الفلسطيني شعب حي وحيوي ومبدع في ابتكار أساليب جديدة للنضال والمقاومة قادرة على مفاجأة العدو وإرباكه ومهاجمته من حيث لا يحتسب، فقرار المرجعيات الدينية والوطنية والشعبية في مدينة القدس مدعومة من كل الشعب الفلسطيني ومرجعياته الرسمية والفصائلية والشعبية والدينية بعدم الصلاة داخل المسجد الأقصى والصلاة على بواباته كان قراراً مبدعاً جعل الصلاة ليست مجرد شعائر تعبدية فقط؛ بل عملا وطنياً مقاوماً من الطراز الأول، كان هو العامل الحاسم في إجبار حكومة العدو المحتل على التراجع ليضع (إسرائيل) مجدداً أمام مأزقها الوجودي وعُصابها المصيري.

 وهذا المأزق الوجودي والعُصاب المصيري ليس وليد اللحظة أو نتاج الحدث؛ بل وُلد مع ولادة الدولة العبرية، ويرافقها منذ نشأتها، ويكبر معها من بداية تأسيسها؛ ذلك بأنه مغروس في جبلتهم، ومغروز في وجدانهم، ويتوارثونه جيلاً بعد جيل، منذ بداية نشأتهم كجماعة بشرية. فقد تكررت نهاياتهم المأساوية مرات عديدة تراوحت بين الإبادة الجماعية والهجرة القسرية والعبودية الجبرية والذلة الطوعية والمسكنة المضروبة عليهم... وهذه النهايات التراجيدية لم تكمن بفعل ظلم الآخرين لهم بقدر ما كانت بفعل ظلمهم لأنفسهم، وارتكابهم للذنوب والآثام. وما جنته عليهم أفعالهم وجرائمهم، وما حصدته أيديهم من ربا وسحت، وما أصابهم من غرور وكبر، وما قاموا به من علو وإفساد، ولما اعتقدوه في أنفسهم من تفوّق وأفضلية.

 فتُرجم كل ذلك في مُنتهى السوء وخُلاصة القبح وزُبدة الشر وغاية الفساد في تعاملهم مع الآخر (الجوييم) وهم كل البشر من غير اليهود؛ فأدى ذلك إلى تراكم الكراهية والضغينة والحقد والسخط عليهم من كل شعب عاشرهم ردحاً من الزمن، حتى إذا ما تعاظم الغل والغيظ ضدهم وتجمعت طبقات العدائية تحت جبل البغضاء انفجر بركان الغضب ومخزون النقمة تجاههم تقتيلاً وتهجيراً وإذلالاً لهم فينتهي علوهم وإفسادهم إلى حين حتى تعود الكرة لهم في العلو والإفساد؛ فتعود الكرة عليهم بالتدمير والتتبير مرة أخرى وفق القانون التاريخي الذي وضعه الله تعالى في سورة الإسراء ( وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ) أي إن عدتم إلى الإفساد عدنا إلى التدمير حتى يأتي (وعد الآخرة) الذي لا إفساد بعده. وهذا المصير المأساوي المتكرر الذي يصنعونه بأيديهم هو بالضبط مأزقهم الوجودي وعُصابهم المصيري.

 والمأزق الوجودي وعُصاب المصير الذي رافق دولة (إسرائيل) منذ نشأتها، بدأ يظهر بوضوح بعد انتهاء عصر الانتصارات السريعة الساحقة بعد حروب النكبة والنكسة والعدوان الثلاثي، وابتداء من حرب أكتوبر 1973 مروراً بالانتفاضة الأولى 1987، ثم الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، والانتفاضة الثانية في نفس العام، والانسحاب الإسرائيلي – جيشاً ومستوطنين- من قطاع غزة عام 2005، والهزيمة الإسرائيلية الكبيرة في حرب لبنان الثانية عام 2006، والفشل الإسرائيلي المتكرر في حروب غزة الثلاث. وأخيراً انتفاضة القدس وموجتها الأخيرة بعد عملية الفدائيين الثلاثة من أم الفحم ووضع البوابات الحديدية الإلكترونية ثم إزالتها تحت ضغط التصدي الشعبي البطولي للشعب الفلسطيني للمخططات الإسرائيلية بالسيطرة على المسجد الأقصى، فكل هذه السلسلة من الأحداث تسير في نفس الاتجاه الذي يعمّق مأزق (إسرائيل) الوجودي وعُصابها المصيري.

 والمأزق الوجودي وعُصاب المصير أو عُصاب القدر هو نوع من المرض النفسي يضع المريض نفسه في مواقف متكررة تؤدي إلى نهايات واحدة مأساوية دون أن يستفيد منها، بل بالعكس من ذلك يبدو أنه يسعى إليها ويوجدها وكأنه يخضغ لقدر خارجي مأساوي محتوم لا مناص منه. وهذا المرض وإن كان في الأساس يصيب الأفراد فإنه يُصيب الجماعات والشعوب والأمم أيضاً كالدولة العبرية التي تتكرر أخطاؤها الفادحة وتجاربها الفاشلة ومآزقها الوجودية.. دون الاستفادة من هذه الأخطاء والتجارب والمآزق وكأنها تسير نحو مصيرها المحتوم معصوبة العينين ومكبلة اليدين فتذهب إلى التدمير الذاتي وتخريب كيانها بأيديها حتى إذا تراكمت عليها نقاط الضعف الداخلية وعوامل الفناء الذاتية وترافق ذلك مع تراكم نقاط قوتنا الداخلية وعوامل نهضتنا الذاتية وشروط نصرنا الموضوعية... حينها لن تفلت الدولة العبرية من هذا المصير المحتوم وتلك النهاية المأساوية التي يصنعها بنفسه كل مريض مصاب بُعصاب المصير الذي ينتهي بهم إلى التدمير والفناء، وقد يكون ذلك المصير أقرب إليهم من حبل الوريد.