مطلع الانتفاضة الثالنية ظهرت أغنية ثورية كتبها الشاعر الليبي علي الكيلاني وغناها الثلاثي جوليا بطرس وأمل عرفة وسوسن الحمامي عندما كان هدير الانتفاضة يتقد وسط صمت الأمة العربية التي تركت الفلسطينين لوحدهم تحت أنياب الدبابات الاسرائيلية، كانت الأغنية تتساءل بمرارة "وين الملايين" تقصد العرب الذين كان يجب أن يستنفروا دفاعاً عن فلسطين والقدس.

كلمات الأغنية كانت مؤلمة رافق السؤال عن الملايين بعض الصور عن المراقص في أوروبا كأن الصور تقدم جواباً جارحاً على سؤال جوليا بطرس التي غنت للجنوب اللبناني وتراب الجنوب والآن كان السؤال حاضراً حين تعلق الأمر بالقدس وبقوة أكبر.

عُرض على ياسر عرفات حلول ترقيعية في القدس من تقسيم فوق الأرض وتحت الأرض التي اخترعها باراك في كامب ديفيد كان ياسر عرفات يرد بأن القدس لا تخص شعبنا وحده بل تخص الأمتين العربية والاسلامية وهو يحاول التهرب من أي نقاش يتطلب تنازلات فيها، كان عرفات يدرك أن ليس للقدس سوى شعبها يصد الرصاص بصدره العاري، كان يعرف أن هذه الأمة الراكدة من المحيط الى الخليج لن تتحرك حتى لو تم هدم الأقصى وقد كانت التجربة خلال الأسبوعين الماضيين تثبت هذا الاعتقاد.

في كامب ديفيد الثانية كان عرفات يوميا يسأل الصحفي المرافق له أكرم هنية عن أية تظاهرات في مدن أو عواصم العرب تقف خلفه داعمة وهو يصمد دفاعا عن القدس ، كان يحتاجها ليرد على كلينتون بأن القدس للعرب والمسلمين وليس مخولاً لنقاش أية تنازلات فيها، كان هنية يفتش في الصحف والمجلات ويجري اتصالاته مع كبار الصحافيين العرب ويرد نهاية كل يوم على عرفات بأن لا تظاهرة واحدة.

أزمة البوابات الحديدة التي أربكت كل سياسي العالم عندما وضع المقدسيون أقدامهم في الأرض والتي كانت تعني تكبيله بأقفال حديدية لم تحرك الأمة العربية ،لا تظاهرة سوى واحدة وللغرابة لم تكن سوى في اليمن هذا الشعب المنكوب والذي يتعرض لحرب أهلية واعتداء خارجي تنهشه الكوليرا والأمراض والجوع والفقر يسجل في لحظة تاريخية فارقة أنه شعبا وفيا لعروبته ولكرامته ولقدسه، هذا الشعب الذي لا يُعول عليه كثيراً ونحن نحصي ممكنات القوة العربية والفلسطينية يثبت أن هذه الأمة ليس أكثر من نمر من ورق وفيما كانت تشتعل أزمة الأقصى كان أحد ملوك العرب يجهز لعطلته الصيفية اذ تناقلت وسائل الاعلام عن حجز حجوزات خيالية بلغت ملايين فيما كان المقدسيون يمضون يومهم على الماء معتصمين على أسفلت الشوارع.

في كل معاركه الحديثة قاتل الفلسطيني وحده ويبدو أن الحديث عن أمة تقف خلفه وعمق استراتيجي هو حديث لاستدعاء القوة ورفع معنويات ثبت بطلانه بل أن الفلسطيني في هذه السنوات يعيش طريداً أو منبوذاً في كثير من الدول العربية وبعضها تمنعه من الدخول وأخرى يحتاج الى معجزات كي تسمح له بالدخول باستثناء دول تعد على أصابع اليد مثل مصر والجزائر أما الأردن فقط تعطي التسهيلات للضفة الغربية فيما باتت عدم الممانعة لسكان القطاع أمنية.

نحن أمام واقع بات يقاتل فيه الفلسطيني وحيداً منفرداً وباتت القدس بلا مدافعين سوى أهلها وبات واضحاً أن الصراع مع اسرائيل يشتد مع انزياحها أكثر نحو التطرف واليمن هذا يعني أن ليس للفلسطيني سوى أظافره الطرية ينحت بها صخور القدس وجبال فلسطين والحقيقة الأكثر ايلاماً هي حالة التشتت التي يعيشها الفلسطينيون في صراعهم على السلطة والتي أثبتت الأحداث الأخيرة أن كبر رأس في السلطة يحتاج الى تصريح اسرائيلي كي يجري فحوصاته الطبية وليس هناك ما يستحق الصراع عليه سوى الوهم.

فالسلطة تعني السيادة ولا سيادة لنا على شيء الا اذا اعتبرت الفصائل المتحاربة أن قمة السيادة بالنسبة لها هي التحكم بالعباد والسيطرة عليهم واخضاعهم وتشكيل أجهزة أمن لملاحقتهم هنا نفهم لماذا يتقاتلون ولكن هذا شيء والمشروع الوطني شيء آخر لقد أصبح هذا الصراع بين الأخوة مدعاة للخجل والعار أيضاً، لم يعد العالم يحترمنا حتى نطالب الملايين بالوقوف معنا، اسألوا العرب لماذا تراجع الدعم سيقولون أنتم تقاتلون بعضكم بعضاً على الحكم ولا تستحقوا دعمنا كأنهم يقولون أنتم مجموعة من الفشلة، صورتنا تغيرت والشعوب تحتاج لنموذج نقدمه، ونحن قدمنا أسوأ النماذج هل نفهم لماذا تغيب الملايين...؟؟

Atallah [email protected]