ما الذي تخطط له اسرائيل؟ عندما تتردد جملة ما على لسان رئيس الوزراء يجب أخذها بكامل الجدية ، فالمسئولون في تلك الدولة لا ينطقون عن الهوى ولا يلقون بالكلام العابر كما يحدث لدى العرب، خلف حكومة اسرائيل مراكز دراسات وما يمكن تسميته في العالم الذي بنى دوله على أساس المؤسسة "بدبابات الفكر" وتلك هي التي تخطط بهدوء شديد ودهاء شديد لمصالح الدول.

في اسرائيل مجموعة مراكز بحثية وفكرية تتواجد في الجامعات تابعة للمؤسسة الأمنية والعسكرية لذا يظهر رئيس الأركان قبل أي اجتماع حاملاً الملفات التي يتم نقاشها بينما يدخل الوزراء اجتماعهم بلا شيء، لأن المرالكز البحثية والفكرية التابعة لأجهزة الأمن دائماً تضع تصورات السياسة في اسرائيل والحكومة فقط تصادق أو تعارض ارتباطاً بما تسمح به الموازنة وتأثير الخط على العلاقات الدولية والاقليمية.

كثير من دول العالم لها مفتاح لقراءتها فالسعودية مثلاً يتم قراءتها بمفتاح النفط أما اسرائيل فتتم قراءتها من خلال الديمغرافيا اذ أن معظم القرارات التي تم اتخاذها في العقود الأربعة الماضية كانت تؤخذ لاعتبارات ديمغرافية وهي الدولة الوحيدة التي تلعب فيها مراكز الديمغرافيا دوراً في صناعة القرار.

منذ الثمانينات توقفت اسرائيل أمام نسب تزايد أعداد اليهود والعرب في فلسطين التاريخية وقررت مبكراً أحداث توازن بين الأعداد فذهبت باتجاهين تهجير يهود الاتحاد السوفيتي لزيادة الكتلة اليهودية واخراج أكبر عدد من الفلسطينين من السيطرة الاسرائيلية للتخلص من الكتلة العربية فكان اتفاق أوسلو ثم الانسحاب من غزة حتى لا تصل لمرحلة تحكم فيها أقلية اليهودية أغلبية فلسطينية وهو تصور وضعته مراكز الأبحاث وطالبت صناع القرار بالعمل عليه وقد نجحت ....كيف أخرجنا غزة من اسرائيل قبل أن تخرج اسرائيل من كل المناطق ؟ سؤال تشكل اجابته لمحة عن مستوى أدائنا السياسي.

بعد التخلص من الكتلة السكانية في غزة فان استمرار السيطرة على الضفة الغربية تعطي لاسرائيل متسع لعقود بضمان سيطرة أغلبية يهودية حتى مع وجود سكان الضفة الغربية ، قغزة خارج السيطرة الاسرائيلية تماماً، لكن المشكلة بالنسبة لاسرائيل التي تشكل أزمة على المدى الاستراتيجي هم فلسطينيو ال 48 والذين كان عددهم عند انشاء اسرائيل 156 ألف يصل عددهم الان الى 1.8 مليون نسمة وهذا الرقم في دولة تمارس التمييز ضد مواطنيها في القومية والدين يعتبر أزمة بعكس الدول الديمقراطية "اسرائيل ليست دولة ديمقراطية".

ذات مرة قبل عقدين تسرب من مكتب نتنياهو وكان رئيس وزراء حينها تقرير يعتبر أن فلسطيني ال 48 هم "خطر كامن" وبات من الواضح أن ما قاله نتنياهو من تبادل سكاني واخراج أم الفحم ليس وليد تظاهرة تشييع شهداء أم الفحم بقدر ما أن تلك التظاهرة وفرت الجو للاعلان عن مخطط يعتبر تطبيقه واحدة من أولويات الدولة التي كثفت حديثها في السنوات الأخيرة عن يهودية الدولة ما يعني استهداف مباشر للفلسطينين فيها وتمهيداً لاخراجهم منها.

الأمر لم يكن عفوياً وقد تناول رئيس الوزراء الاسرائيلي موضوع التبادل السكاني مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ما يعني أن الأمر انتقل من مراكز الدراسات ودبابات الفكر الى صانعي القرار والى الترويج كخطة سياسية تهدف للتخلص من كتلة سكانية كبيرة وكان رائد هذا المشروع أفيغدورليبرمان رئيس حزب اسرائيل بيتنا قبل أن يكون وزيراً للدفاع وفيما كان يعرب عن ذلك المشروع في لقاءاته وبرامجه السياسية كانت الأوساط الرصينة في اسرائيل تحتفظ بالصمت الى أن تحول المشروع هذا العام من خطط نظرية الى واحد من الملفات التي يحملها رئيس الوزراء للعرض.

في ذلك خطورة كبيرة ليس لأن الفلسطينين لا يريدون بقية شعبهم في الدولة الفلسطينية اِن أقيمت بل بقدر ما يعني الموافقة على مشروع سلخ منطقة جغرافية واخلاء مسئولية الاحتلال عنها ومساعدة الاحتلال على تأمين دولة يهودية خالية من العرب بالتدريج أي أن الموافقة على ذلك تعني شرعنة العنصرية والموافقة لاسرائيل على تأكيد مفهومها بأن الفلسطينين هم حمولة زائدة وليسو سكان أصلين وفي هذه جريمة ينبغي العمل ضدها بكل الوسائل.

المأساة أن اسرائيل تفكر وتخطط بشكل استراتيجي وبتكامل وتماشك شديدين وكل تخطيطها وعملها ينصب ضدنا وبالمقابل نحن نعمل بكل ما نملك من قوة أيضاً ضدنا ، تصوروا ؟ بهذا الأداء لن نتمكن من افشال أي شيء تحضر له هل نفهم..؟

خاص نبـأ برس|| نسمح بإعادة النشر شرط ذكر المصدر.. يُحظر القيام بأي تعديل، تحوير أو تغيير في النص

[email protected]