الرسالة التي تحملها زيارة الملك الأردني شديدة الوضوح بعد أحداث الشهر الماضي في العاصمتين الفلسطينية والأردنية القدس وعمان وبات معروفاً أن الذي حرك هذه الزيارة هو حجم الاهانة التي تلقتها عمان من تل أبيب عندما تصرفت بشكل متغطرس لم يحفظ حتى ماء الوجه الأردني بعد قتل مواطنين أردنيين في عقر دارها.

اسرائيل خدعت الأردن عندما أعطت تعهداً بالتحقيق ومحاسبة الحارس الاسرائيلي وفقاً للقانون الدولي، بعد أن كان الموقف الأردني شديد الصلابة حيث رفض في البداية السماح للقائل بالعودة الى تل أبيب بل أن وزير الداخلية الأردني نفسه كان مشرفاً على ذلك وسط سخط الرأي العام الأردني المشحون أصلاً بسبب أحداث القدس.

ما أن عاد القاتل حتى استقبله رئيس الوزراء الاسرائيلي استقبال الأبطال وامعاناً في الاستفزاز ثم نشر المكالمة الهاتفية بينه وبين الحارس الذي دعاه فيها إلى لقاء مع عشيقته وأن نتنياهو أوفى بوعده بإعادته ثم بدأ الأردنيون يتذكرون أن الحكومة الإسرائيلية لم تأسف حتى على سقوط مواطنين أردنيين ولم تحاسب القاتل، ما وضع الدولة الأردنية وأجهزتها الرسمية والملك حتى أمام موقف لا يحسدون عليه إذ بدا بنظر الرأي العام أنه تم النيل من الكرامة الأردنية ولم تعرف كيف تتصرف الدولة الأردنية وانتقل الأمر للجانب الفردي عبر عنه أحد أعضاء مجلس النواب الاردني بأن ذهب للجسر لمنازلة عضو كنيست إسرائيلي كان قد وجه إهانة لعمان على صفحته على الفيس بوك.

أردكت الأردن أنها أدارت الأزمة بما لا يحفظ هيبة الدولة وأن المؤسسة الرسمية لا تستطيع السكوت أكثر أمام جمهورها وأن عليها أن تتصرف بما يشبه الانتقام على شكل استدراك ولكنها تعرف جيدا محدودية القدرات الأردنية التي تنازلت مبكرا عن ورقة القوة الوحيدة لديها وهي عدم السماح للقائل بالمغادرة وكان يمكن ذلك لو جرى استخدام الجماهير الأردنية وتجييشها والتذرع بها أمام الضغوطات لكن الاردن مثلها مثل أي نظام عربي لا يؤمن بالجماهير ويتصرف باعتباره بديلا عنها لذا تتولى الإهانات لأن ورقة الضغط الوحيدة وهي الشعوب خارج حسبة الأنظمة.

ما زاد الطين بلة عندما نشرت الأجهزة الأردنية صورة هوية الحارس القاتل وإذ بإسرائيل وباستخفاف شديد تقدم احتجاجا على الدولة الأردنية .. صحيح أن الأردن تصرف بشكل خاطئ ولكن الغرور الإسرائيلي والعربدة نفسها أيضا مارست سياسة طائشة تجاه الاردن عندما لم تبق له ما يقوله أمام شعبه في هذا الملف لتصنع أزمة وصفتها مصادر سياسية بغير المسبوقة في العلاقة بين إسرائيل والأردن منذ أن بدأت.

زيارة الملك عبد الله اليوم واحدة من أشكال الانتقام الأردني بعد أحداث القدس وخصوصا بعدما اتهمت اسرائيل الرئيس أبو مازن بتصعيد الأحداث ووقف التنسيق ما يعني بقاء الرئيس في رام الله دون سفر للخارج وإبقاءه معزولا لتكون الزيارة نوع من كسر عزلة الرئيس ورسالة شديدة اللهجة لتل أبيب التي لن يزورها كما يفعل كل الذين يزورون المنطقة.

إسرائيل مشغولة بقضايا أخرى .. قضايا فساد رئيس الحكومة والتحقيقات وأغلب الظن أنها لن تكترث كثيرا بالزيارة فهذا اليمين الذي يحكم إسرائيل بهذا الغرور لن يقرأ الرسائل الدبلوماسية وخاصة أنه يتكئ على كونجرس أميركي أكثر تطرفا من الكنيست وعلى إدارة أميركية لم يتوقف مندوبوها جاريد كوشينز وجيسون غرينلات عن نقل الشروط الإسرائيلية للرئيس الفلسطيني.

ما يهم إسرائيل أنها أعادت قاتلها رغما عن العرب .. بالخديعة أو بالغطرسة لا يهم الأدوات ، المهم أن الأزمة بالنسبة لها انتهت واحتفلت بعودة طاقم سفارتها .. زيارة ملك الأردن مهمة ولكن الرسالة لن تصل للتماسيح لأن جلودها متبلدة ولا يهمها غير فريستها ، إسرائيل تعرف حجم القدرات الأردنية والفلسطينية ومطمئنة أن الشعبين الأردني والفلسطيني يتم تحييدهما من المعارك التي يقودها قادة بإمكانيات لا تستند إلى القوة التي تستطيع قلب المنطقة لذا فهي مطمئنة.

على الأردن أن يتصرف بخشونة أكثر لأن تمرير هذه القضية بلا ثمن تدفعه إسرائيل يعني قبول الهزيمة وتشجيع إسرائيل على المزيد .. عليها أن تضع العلاقة على المحك .. السفارة الإسرائيلية في عمان وعلم إسرائيل هناك هو الأهم .. على الأجهزة الأردنية استغلال غضب الشارع الأردني تركه ليقتحم السفارة وعدم عودة سفيرتها هناك .. هذه هي الرسالة التي تخيف إسرائيل .. أما دون ذلك لا شيء .. نتذكر كيف كانت تل أبيب تتصبب عرقا أثناء أحداث الثورة المصرية خوفا على السفارة أمامنا تجربة .. فقط الجماهير .. في القاهرة والقدس ...والآن الأردن أما دون ذلك مجرد زوبعة..!

خاص نبـأ برس|| نسمح بإعادة النشر شرط ذكر المصدر.. يُحظر القيام بأي تعديل، تحوير أو تغيير في النص

[email protected]