"مهما فعلنا فإن إيران لن تغلق أبوابها في وجهنا"، هذا ما قاله أحد الناطقين باسم واحد من أجهزة حركة حماس ذاتَ يوم لإعلامي أثق بنقله أثناء زيارته لقطاع عزة، حينها كانت العلاقات بين إيران وحماس وصلت إلى أقصى درجات التوتر، وحينها أيضاً كان الإخوان المسلمون حزبَ الأغلبية السياسية في مصر، فيما بدا "الربيع العربي" مداً لا جزرَ له.

اختلف المشهد اليوم تماماً، وكثرت زيارات وفود الحركة الفلسطينية لطهران مشاركةً حيناً في ذكرى انتصار الثورة الإسلامية وحيناً في مؤتمر الوحدة وأخيراً في مناصب أداء الرئيس الإيراني حسن روحاني القسم الدستورية لدورة رئاسية ثانية، لتبدو العلاقات أكثر دفئاً، هذا ما لمسه من حضر لقاءات حماس مع المسؤولين الإيرانيين، أوتحدث إلى أعضاء الوفد الحمساوي الذي بدا مرتاحاً تجاه الحفاوة الإيرانية .

الدعوة كانت موجهة لرئيس المكتب السياسي الجديد اسماعيل هنية وفق مسؤول الملف الدولي في الحركة وعضو الوفد الزائر لطهران أسامة حمدان، لم يحضر هنية إلا أن إيران أعلنت تأيدها لمواقفه المبدأية أجمعها كما قال مستشار قائد الثورة للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي، أما حماس فقد أعلن رئيس وفدها وعضو مكتبها السياسي عزت الرشق وفي لقاء مع وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف فتح صفحة جديدة مع إيران.

لعلها ليست أول صفحة جديدة، لكنها تبدو مختلفة بقدر اختلاف الظروف الإقليمية المحيطة بحماس; لم يرد الوفد اجراء لقاءات صحفية مطولة هذه المرة، واكتفى بتصريحات تشير إلى استراتيجية العلاقات مع طهران وعمقها.

أما المشهد الإقليمي فإن قراءة بسيطة فيه ربما تفسر الانفتاح الحمساوي الواسع على إيران والتي أعلنت على لسان ممثلها في لبنان علي بركة زيارة مرتقبة يقوم بها هنية في أقرب فرصة بعد امتناع رئيس المكتب السياسي السابق خالد مشغل عن تلبية عدة دعوات وجهت له، أما حضور عضو المكتب السياسي في حماس والمطرود من قطر مؤخرا صلاح العارور في وفد الحركة فلم يخلُ من رسائل متعددة الاتجاهات خصوصا وأن الرجل ذا الخلفية الأمنية هو أحد مؤسسي الجناح العسكري في الحركة.

لم تعد قطر قاعدة تتطمأن حماس لها، خصوصا بعد الحصار والضغوط السياسية التي قادتها الرياض ضد الدوحة بتحالف مع دول عربية تصنف حماس حركةً إرهابية، أما القاهرة فلا تبدو متشجعة للتعامل مع حماس إلا من بوابة القيادي الفتحاوي محمد دحلان، وأنقرة لديها حسابات دولية بين علاقاتها مع تل أبيب وحتى عضويتها في حلف النيتو.

تراهن حماس اليوم على علاقتها الاستراتيجية مع الإيرانيين وتحديدا في الشق الأمني والعسكري، على الرغم من موقف قاعدة الحركة الثقافية والشعبية التي تبدي عداءاً للجمهورية الإسلامية على خلفية الخلاف حول الموقف من سوريا وخلفيات أخرى بعضها طائفية، تظهر جلية في خطاب أسماء أكاديمية بارزة في الحركة، لكنها السياسة البراجماتية التي لا تعترف بعداوات دائمة أو صداقات دائمة، وهي متأهبة للاستفادة من أي موقف مبدأي، لذلك ليس غريباً أن ينتقد نائب رئيس المكتب السياسي لحماس موسى أبو مرزوق الإيرانيين فيما سُرب، ثم ما يلبث أن يمدحهم علناً تعديلاً للموقف.

لم يتوقف الإيرانيون كثيراً أمام تصرفات لحماس كانت كفيلة لدى دول أخرى أن تؤدي لقطع العلاقات أو التريث كثيراً في إعادتها، فهم لا يغلقون الأبواب أمام حركات المقاومة كما أثبتت الأيام، على الرغم من الرسائل الدولية والأميركية الضاغطة، حتى بعد انتظار الإيرانيين جني ثمار الاتفاق النووي، في ظل معادلات سياسية واقتصادية عالمية جديدة، فذات اليد التي مدها ظريف لمصافحة الأوروبيين، هي ذاتها التي عانق بها قادة المقاومة الفلسطينية المصنفِ بعضهم إرهابياً لدى الاتحاد الأوروبي دون وجل، تحت قبة برلمان إيران التي جمعت الثبات على مبادئ الثورة والتطلعات لمستقبل مع المتجمع الدولي قائم على التفاهم والاحترام المتبادل.