لم يعد خافيا الحالة التي وصلت إليها القضية الفلسطينية ولن يفيد أو يجدي العودة للتاريخ وللماضي واستدعاء المجد القديم، ببساطة وبشكل مباشر نحن أمام عملية تآكل وتلاشٍ غير مسبوق بالنسبة للقضية الفلسطينية وحضورها؛ لم تعد القضية الأولى ولا الثانية أيضا، عربيا باتت القضية جزءاً من صراعات وتحالفات ومناكفات واستقواء، وإسلاميا ينظر لها كأرض مقدسة اختصها الله بهذا البعد الديني وبالتالي يتم التعاطي معها كقضية دينية ويغيب البعد الإنساني بأنها ارض شعبها يقع تحت الاحتلال. مقابل تلاشي الحضور الفلسطيني يتقدم الحضور الإسرائيلي في عدة محافل وعدة مناطق يستخدم ويوظف كل مقدراته وإمكانياته، وقبل الانتقال لهاته، وجدت أن القارئ قد يقول بأن هناك حضورا وتعاطفا ودعما وتأييدا للقضية الفلسطينية عربيا وإسلاميا، ربما ولكن ما الذي أفضى إليه ما هي النتائج؟، وللموضوعية كم مليوناً خرج من امة المليار عندما حدث في القدس ما حدث وأغلقت أبوابه ومنع الناس من الدخول إليه، ما هي حيثيات التضامن مع فلسطين مسيرات وتنديد واستنكار لمجموعات وأحزاب وجماعات وسياسات ، لم تفكر حكومة عربية واحدة قطع علاقاتها مع الكيان الصهيوني إطلاقا، سؤال آخر قد يتبلور أن التمدد الإسرائيلي يقابله مقاطعة ورفض وحظر وان روايته باتت مكشوفة ومعلومة وانه متهم بارتكابه جرائم حرب وان العالم يرفض ويدين ممارساته السؤال هل منعت كل هذه المنظومة أو المصفوفة استمراره في جرائمه.؟!

نذهب باتجاه اجتراح مصالحة وطنية فنفشل، لا بل يتدحرج الأمر حتى يصبح الانقسام بين حماس وفتح انقسام بين فتح - وفتح، نتجاوز ذلك لنذهب باتجاه إجراء الانتخابات فتجمد ويستدعى القانون وتستبعد القوائم، ثم يلوح بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد فأين المنظمة أين مؤسساتها أين هياكلها أين مجالسها أين كادرها البشري أين علاقاتها أين حضورها؟ ، نترك المنظمة ونعود للمشروع الوطني الفلسطيني والسؤال أي مشروع ؟ مشروع أوسلو أم مشروع الدولتين أو مشروع أراضي العام 67، مشروع غزة وأريحا أولا أم مشروع غزة أولا وأخيرا مشروع التنسيق الأمني أم مشروع تمدد الاستيطان، أي مشروع وطني استبعد اللاجئين لم لهم أي موضع أو موقع في خطابه.

تآكل الحضور الفلسطيني عربيا وإسلاميا سيفضي لتآكل الحركة الوطنية الفلسطينية سيفضي لتلاشي القضية الفلسطينية، حتى الحضور الذي يحاول البعض استعادته إقامته هو حضور ضيق سطحي حضور مشوه لأنه يقوم على طرف واحد تقوده فصائل لا يُقاد كمنظومة فلسطينية وطنية واحدة لاسيما بعدما تلاشى حضور منظمة التحرير الفلسطينية، اليوم بإمكانك أن تقرأ أو تكتب عن علاقات سين من الفصائل بالدولة الفلانية أو العلانية، عن علاقة السلطة بطرف ما والسلطة طرف في الانقسام بل ان بعض العلاقات الرسمية الفلسطينية يقوم أو يعوم بناء على إحداثيات الانقسام ، وحدث أن غضب طرف فلسطيني من طرف عربي أو إسلامي نظير اقتراب هذا الطرف الخارجي من طرف فلسطيني أخر..!

في تحقيق نشرته مجلة «نيويورك» عن الحركة الوطنية الفلسطينية خلص التحقيق إلى أن الرئيس محمود عباس هو آخر من يملك الحديث باسم الشعب الفلسطيني والادعاء انه الممثل الوحيد عنه. وصل التحقيق إلى أن ما بعد أبو مازن لن تكون هناك شخصية تحظى بالشرعية لفترة طويلة وإنما ستظهر قيادات تمثل أجزاء من الشعب الفلسطيني وستكون ضعيفة وغير مستقرة.

سيحدث وفق الدراسة تآكل في المؤسسات التاريخية للشعب الفلسطيني دون بزوغ قيادات بديلة أو مؤسسات ذات فاعلية وكل هذا يتم دون تحقيق أي إنجازات سياسية ذات مغزى حقيقي ،حركة فتح كبرى الحركات الفلسطينية وحزب السلطة التي يرأسها أبو مازن آخذة بالتلاشي على ارض الواقع وهذا يتزامن مع تراجع ثقة وقناعة الشارع بالحل السياسي والمشروع الذي قادته. المنظومة السياسة الفلسطينية تحولت إلى نظام حكم رئاسي أحادي السلطة يعمل على إخماد أي صوت معارض حقيقي وهذا خلق حالة من الاغتراب بين الفلسطينيين والمؤسسات التي يفترض أنها تمثلهم وكل هذا في ظل حالة من عدم القدرة على المناورة بين المصالح المتناقضة والصراعات المحتدمة في العالم العربي من حولها وتحولهم إلى تابعين إلى الإدارة الأمريكية والمساعدات الخارجية وعلاقتهم مع إسرائيل.

هذا جزء من المشهد يتعلق بالداخل بما حدث بالمقبل والمرتقب والمتوقع، ورأيت انه من الأهمية الإتيان على حيثيات ما قالته نيوز ويك واتفق مع ما ورد فيه ولهذا استحضرته، وهو أمر لا يختلف اثنان عليه، فواقع المشهد الفلسطيني داخليا وصل لمرحلة متقدمة من التآكل والتلاشي ولا يحتاج لتحقيق من النيويورك. الجزء الآخر الذي أردت استحضاره هو التمدد الإسرائيلي مقابل التآكل الفلسطيني، استغرقنا في مشكلاتنا الداخلية وحساباتنا الفصائلية الضيقة وأسقطنا الباحة الخلفية ظهيرنا جزء من التآكل في الحضور الفلسطيني خارجيا هو من صناعتنا مما كسبت أيدينا نحن الذين قدمنا أنفسنا ورايتنا للخارج أشتاتا مشتتة، نحن الذين أسقطنا ظهيرنا وداعمينا ومؤيدينا من حساباتنا، لم يعد هناك حضور فلسطيني مطلقا في المحافل في المؤتمرات في القضايا والمشكلات والتحديات الخارجية، حتى وزارة الخارجية الفلسطينية عطلت كل ذلك وأسقطته من حساباتها. أسقطنا واحدة من أهم القارات الداعمة لنا أسقطنا القارة السمراء التي عانت مثلما عانينا وقد كان الصوت الأفريقي الأقرب والأكثر دفاعا عن القضية الفلسطينية، أضعنا أفريقيا في صراعاتنا حتى تقدم الكيان الصهيوني صوبها وباتت حاضنته التي يتمدد بها بكل أريحية.

التمدد الإسرائيلي في أفريقيا لم يعد دعما ولم يعد مساعدات ولم يعد زيارات رئاسية أو لقاءات لم يعد تبادل اقتصادي وتجاري، إسرائيل باتت تقود مؤتمرات؛ أكتوبر المقبل ستشهد إفريقيا مؤتمر «إسرائيل أفريقيا» نعم لم يعد التمدد هناك مقتصرا على دولة افريقية واحدة فقط، بل باتت إسرائيل حاضرة في القارة كلها، نتنياهو سيشارك في مؤتمر «افريقيا إسرائيل» وبجواره رؤساء 25 دولة افريقية. وقبل شهرين كان حاضرا في قمة المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (ايكواس) التي عقدت في ليبيريا . لا يوجد ما يعيق نتنياهو أو يوقف التمدد وللدقة الاختراق الإسرائيلي لأفريقيا، مؤتمر إفريقيا إسرائيل لا يبحث تمتين العلاقات وتقويتها إسرائيل تجاوزت على ما يبدو ذلك إسرائيل تريد قطع الطرق كل الطرق على فلسطين ولا تستهدف المحافل الدولية بل حتى مقاومة غزة. لا يريد تعاطفاً ولا تضامناً ولا مسيرات قد تتحرك في أفريقيا وتتعرف على فلسطين.

 نتنياهو يريد ضمان أصوات القارة الأفريقية في المحافل الدولية، قد يستغرب القارئ من الحديث عن التصويت وجدواه في المحافل الدولية، ولكن السنغال كانت واحدة من الدول التي تقدمت بمشروع القرار 2334 لمجلس الأمن والذي بموجبه أدين الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس بعدما سحبته مصر. لكن نتنياهو لم ييأس ويريد الاستدارة للسنغال، ولن يتوقف قبل أن تكون إسرائيل عضواً مراقباً في الاتحاد الأفريقي.

 في مقابل ذلك مقابل تلاشي حضورنا ومقابل التمدد الإسرائيلي ماذا فعلنا نحن لا شيء إطلاقا ولن نفعل شيئاً، سنستغرق أكثر في الانقسام والمناكفة والاقتسام، سنستغرق أكثر في التصريحات والتلميحات والوعيد والتهديد كلانا للآخر حتى نتلاشى.