حديث اعلامي مكثف عن المصالحة في الأربع والعشرين ساعة الماضية والأنظار تتجه صوب العاصمة التركية، وسائل الاعلام تتحدث بشكل قوي، ومنسوب الأمل يرتفع لدى رواد الرأي العام ، أخبار متلاحقة ليس بالضرورة أن تكون مترابطة أو منسجمة تطرح تساؤل عن الهدف منها، هل نحن في الطريق الى مصالحة؟ "هذا يحتاج الى معجزة" أم أن في الأمر شيء آخر أو مناورة تنضم لسابقاتها تشغلنا ليومين أو ثلاثة ثم تتبدد كما كل الأخبار في الشأن الفلسطيني؟

وسائل الاعلام تتحدث ونقلاً عن مصادرها الخاصة أن الرئيس أبو مازن كان قد بادر بالاتصال بنظيره التركي أردوغان ليعرض عليه فكرة تدخله لانهاء الانقسام الفلسطيني، وهو الأمر الذي وافق عليه الرئيس التركي ليوجه دعوة للرئيس الفلسطيني للقيام بزيارة أنقرة لمناقشة الأمر وربما قد يكون هذا قد حصل فعلياً ولكن ليس بالشكل المطروح لأن هناك أطرافاً ما أرادت من خلال ذلك أمراً آخر.

ناصر الدين الشاعر نائب رئيس الوزراء السابق في الحكومة العاشرة رفع مستوى التفاؤل الى حد كبير عندما قال "أن هناك بوادر مصالحة قريبة بين فتح وحماس وأن عدة ملفات سيتم انجازها قبل عيد الأضحى" وهو ما تناقلته الأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي بشغف وخاصة بعد زيارة الشاعر للمقاطعة، أما الدكتور أحمد يوسف والمعروف باتصالاته مع المسئولين الأتراك فقد قال بأن "حماس قررت فعلياً التوجه الى مصالحة مع عباس وأن التطورات ايجابية ستحدث خلال الأيام القريبة القادمة".

لكن حركة فتح بدت أكثر حذرة في التبشير فقد نفى السفير الفلسطيني في تركيا فايد مصطفى وجود أية مبادرات تركية للمصالحة وهو ما عززه الناطق الرسمي لحركة فتح أسامة القواسمي الذي نفى أي وجود لمبادرات تركية وما بين تأكيد من تفاؤل حركة حماس وتردد حركة فتح يبدو الأمر ملتبساً.

تركيا ربما أخذت الأمر على محمل الجد وربما أنها بدأت اتصالاتها مع حركة حماس التي تضع شروطاً على المصالحة أولها ملف الموظفين الذي أصبح يشكل عبئاً ثقيلاً على الحركة منذ فترة وزادت وطأته بعد اجراءات السلطة تجاه الموظفين واصابة الاقتصاد الغزي بالشلل وحرمان الحركة بغزة من الجباية.

لا أحد يعرف لماذا تم اختيار تركيا بالذات والآن رغم التأكيد بأن تركيا لم تكن المبادر لهذا الأمر لادراكها صعوبته وقراءتها لتجربة الخداع الفلسطيني ولسنوات سابقة وهو ما جعل الجميع أكثر حذراً في العودة بالحديث عن المصالحة لكن الأهم أن الرئيس وحركة فتح يدركون أن هناك تغيرات في حركة حماس ظهرت بعد الانتخابات الأخيرة في الحركة أفرزت قيادة ومواقع قوة لتيار حسم أمره بالذهاب نحو القاهرة وهو ما أضعف الحضور التركي القطري في الحركة وهنا يبدو خيار تركيا الآن مدعاة لسؤال كبير.

ما في الأمر أن هناك أطرافاً ما أرادت القيام بمناورة ترسل خلالها رسائل لمصر بأن هناك بدائل يمكن أن تلغى دورها وخصوصاً أن مصر تتمسك بمصالحة فتحاوية كمدخل للمصالحة الشاملة وهذا ما لا تريده تلك الأطراف بهدف الضغط على مصر لتغيير خارطة طريقها وكذلك ربما احداث أزمة في العلاقة بين مصر وحركة حماس التي شهدت تفاهمات في يونيو الماضي عندما تذهب الحركة مع الوسيط التركي المنافس لمصر وفي ملف اعتبر حكراً على القاهرة.

ان التقارب المصري الحمساوي يجعل مصر الآن أقدر على القيام بتلك المصالحة لو كان هناك جدية لدى أطرافها لكن الأمر يبدو أنه أقرب للمناورة وسط مصالحة أصيبت أرضها بالتصحر وأن كل المناورات التي تجري في الصحراء ليست أكثر من ضجيج وصخب لا يؤذي أحد ولا يجرح أحد ولا يضر ولا ينفع أحد ،فقط ضجيج يحدث قدراً كبيراً من الغبار يزول سريعاً وهكذا كانت كل جولات المصالحة على امتداد السنوات الماضية فهل هذه المرة مختلفة؟

الحالمون يقولون نعم مختلفة، أما الواقعيون فيدركون أن المسألة ليست أكثر من ملىء فراغ وسط سكون السياسة وصمتها ويدركون أن الأمر يحتاج الى معجزة وقد انتهى زمن المعجزات لأن لا نبي يتلقاها فهل سيقوم "الخليفة" في أنقرة بدور الأنبياء؟

خاص نبـأ برس|| نسمح بإعادة النشر شرط ذكر المصدر.. يُحظر القيام بأي تعديل، تحوير أو تغيير في النص

[email protected]