في الثالث من يناير عام 1980 كان مستشار الأمن القومي الشهير للرئيس الأسبق جيمي كارتر زبيغنيو برجنسكي يبدأ جولة في المنطقة العربية لإقناع العرب بأخطر وأسوا حرب أميركية دفع العرب ولا يزالون ثمنها وهي حرب الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفييتي على الأراضي الأفغانية ولأن الولايات المتحدة لا تستطيع التورط علانية في هذه الحرب التي تريد منها هزيمة السوفييت والانتقام من هزيمتهم في فيتنام ووقف تمدد الاتحاد السوفييتي كان لا بد وأن تستخدم الولايات المتحدة أدوات أخرى بحيث لا تظهر في الصورة بل تدير عبر وكالة المخابرات المركزية بأصابع خفية.

كان الهدف من الجولة إقناع العرب بشعار الحرب " الإيمان ضد الإلحاد" لوضع عقيدتهم تحت تصرف المخابرات الأميركية وإقناعهم بفتح باب التطوع للجهاد حفاظا على الإسلام والمسلمين وتغطية تكاليف الحرب ووضع وسائل الإعلام العربية في حالة حشد وتحريض واستثارة مشاعر الشباب العربي المسلم لإقناعه بالسفر إلى كابول التي بدت للحظة وكأنها عاصمة الخلافة بل أكثر أهمية من القدس والأقصى التي تحتلها إسرائيل.

وبدون تمهيد استعرت الحملة المنظمة وفتحت وسائل الإعلام "المَظلمة الأفغانية "ونصرة أخواننا المسلمين في افغانستان والتحقت المساجد وشيوخها ودعاتها بالحملة المعد لها في واشنطن أو التي حاصرت الرأي العام العربي آنذاك ولم تترك له متسعا للتفكير بل أشعلت حماسة الشباب للسفر للجهاد الذي رفعت واشنطن له الآذان.

تمكن برجنسكي من إقناع مصر بالمهمة باعتبارها كانت قد وقعت لتوها اتفاقية كامب ديفيد وكانت محل انتقاد وغضب عربي وأنها بإنقاذ " إخواننا المسلمين" في أفغانستان تستطيع أن ترد على كل المزاودين عليها عندما تظهر بأنها حامية الإسلام وهي بلد الأزهر الشريف أما السعودية فقد أقنعها مستشار الأمن القومي عندما قال لولي عهدها آنذاك الأمير فهد الذي كان يدير المملكة عمليا بأن كامب ديفيد أفقدت مصر زعامة الامة وأحالتها للسعودية وحتى لا تكون السعودية مطالبة بمواجهة إسرائيل فإن تصدرها لمواجهة الاتحاد السوفييتي الكافر دفاعا عن الإسلام سيعفيها عن المطالبة بتحرير القدس.

نجح برجنسكي في وضع الإمكانيات العربية وتسخيرها لخدمة المصالح الأميركية وتصفية حسابات واشنطن التاريخية واستمرت الحرب التي أنهكت موسكو التي غرقت في جبال أفغانستان الوعرة وكانت أجهزة المخابرات العالمية وأولها الباكستانية تشارك في " الحرب المقدسة " لنكتشف لاحقا أننا نحن العرب بكل ما نملك لم نكن أكثر من أداة ليست نظيفة للمصالح الأميركية وحروبها القذرة والمؤسف حقا أننا لم نبتعد كثيرا عن هذا التاريخ وسيكشف التاريخ مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل في تدمير العراق وسوريا وليبيا واليمن وتحويلها إلى خرابات بأيدي عربية اندفعت للجهاد في تلك البلاد.

لماذا العودة لتذكر حرب أميركا القذرة في أفغانستان والمقدسة آنذاك لدى الإعلام العربي ومشايخه ؟ لأن الخشية المستمرة في استغبائنا واستعمالنا لم تنته لخوض معارك الآخرين ففي الأيام الأخيرة تسارعت الأخبار عن حملات من القتل تجري للمسلمين في بورما تشتعل فيها العواطف ولم تترك متسعا للعقل للتركيز بصور يجري استدعاؤها تحدث شللا في التفكير وتدفع باتجاه واحد ووحيد .

لا نعرف ما يحدث في مياناما وإن كان ما يحدث حقيقيا أم مبالغا فيه فالمعلومات شحيحة لكن الحملة كبيرة ومن المفارقة ان ما يرتكب في اليمن من مجازر ربما أكثر مما يحدث في بورما " وربما أقل " لكن الغريب أن يتعاطى الرأي العام المنساق كأن اليمن شعبا ليس مسلما فيما مسلمي بورما أكثر قربا من ساكني عدن أو أن مئات الآلاف الذين قتلوا في سوريا أقل أهمية من ذلك وتلك من مفارقات الوعي العربي الذي تقدم له المادة الإعلامية جاهزة فينساق كما يريد المخرج أو كما أراد برجنسكي ذات يوم .

إنه غسيل الواقع كما تريده الدول الكبرى وأجهزتها الأمنية ونحن أمة مسلوبة الإرادة والتفكير وتشغلنا كل أولويات الكون حتى وإن استدعى الأمر تدمير بلداننا ففي الأمر ما يثير الريبة إما حرف الأنظار عما يحدث في الوطن العربي.. وإما أن فائض جيش داعش الذي أصبح لا مكان له بعد طرده من سوريا والعراق بحاجة إلى مكان جديد حتى لا يتوزع على الدول العربية والأوروبية ربما يكون ذلك لكن في الأمر ما يدعو للشفقة على العرب...!

[email protected]