السخرية في السياسة ليست كما في مسرح الكوميديا، تنطلق من ذاتية المشهد، بل تنطلق من موقف الساخر، فموقفك من العدوان الإسرائيلي على موقع سوري بمصياف في حماة، هو من سيحدد اتجاهات سخريتك، وبما أنّ كل القيّم من أدناها إلى أسماها تدفع باتجاه الوقوف ضد هذا الكيان العدواني سلوكاً ووجوداً، فليس من السهل أنّ تكون السخرية محايدة، أو بالإمكان تبريرها باعتبارها أحد أوجه الحنق على المعتدي وعجز المعتدى عليه، ولكن بعيداً عن التناول المبدأي والقيّمي للأحداث، حيث خندقك هو من سيملي عليك الطرف الذي ستصوب إليه سخريتك، فإنّ ذلك العدوان في أيّ توقيتٍ سابق يدعو للتشظي غيظاً، لكنه في هذا التوقيت بالذات يدعو للسخرية بل الشديد منها، فليس هناك ما تجنيه (إسرائيل) من هذه الغارة، سوى ما سيجنيه طفلٌ غضوب يحاول لفت الإنتباه إليه بالسِباب، فتسارع الأحداث في سوريا جعل من المصالح"الإسرائيلية" مجرد قصيدة بلغةٍ ميتة لا يفهمها إلّا الساسة والإعلام في "إسرائيل".

 

فقد كان الهدف"الإسرائيلي" القريب والمباشر هو تحويل سوريا من ساحة مواجهة إلى ساحةٍ صديقة، كما صرّح برهان غليون أول رئيس لما يسمى بـ(المجلس الوطني المعارض)، بأنّ أول القرارات على أجندة "الثورة" فور سقوط "النظام"، هو طرد حماس وإغلاق مكاتبها في سوريا وقطع العلاقات مع إيران وحزب الله، في الوقت الذي قال فيه ملهم الدروبي الناطق باسم حركة الإخوان المسلمين في سوريا، "أنّ السلام مع إسرائيل سيخضع لاستفتاء شعبي"، وليس ببعيدٍ عن ذلك يقترح كمال اللبواني -"المعارض" السوري المتشرف بحضور مؤتمرات "هرتسيليا" المتتالية- سلاماً سياحياً في الجولان، ثم مع صمود الشعب والجيش والقيادة السورية أصبح الهدف أشدّ إيغالاً في الوهم وأكثر دموية، وهو صناعة شرق أوسط كبير وجديد، وصناعة كانتوناتٍ تحت مسمى دول على أسسٍ مذهبيةٍ وطائفية، فتكون يهودية"إسرائيل" مشرعة ومشرعنة، ولتكن هي صاحبة اليد الطولى والمتسيدة، وتصبح مكوناً طبيعياً من نسيج هذه المنطقة، بما يضمن بقاءها لمئة عامٍ أخرى، أو إلى أن يمنَّ الله على هذه الأمة بجيلٍ يكنس مخلفات أجداده من عار ما صنعت أيديهم، ثم مع تقدم الجيش السوري ميدانياً تقلصت أمنيات"إسرائيل" لإقامة ما أسمته بـ"الجدار الطيب"، في محاكاة لتجربة انطوان لحد في جنوب لبنان.

كان هذا سيتم من خلال تكريس وجود مسلح-بغض النظر عن المسمى "ثوار" أو "مجاهدين" فكلاهما تلقى دعمها- على حدود فلسطين المحتلة بعمق ثلاثين كيلومتراً داخل الأراضي السورية، وقد قامت جبهة النصرة بطرد قوات الأمم المتحدة على الحدود بالتنسيق مع "إسرائيل" في إطار تحقيق هذا الهدف، وثم الآن ماذا، بعد اقتراب سوريا من إعلان انتصارها النهائي، وهذا بالمناسبة لم يقله أيّ مسؤول سوري على أي مستوى سياسي أو عسكري، بل قاله روبرت فوورد السفير الأمريكي الأخير في دمشق، والذي وُصف يوماً بـ أبِّ "الثورة"السورية، والذي زار حماة و"ثوارها" في بواكير تنفيذ المخطط على سوريا، وقد يكون من قبيل الصدفة أنّ تقصف"إسرائيل" في حماة التي زارها فورد في البدايات، بعدما قال "أنّ الأسد انتصر" في النهايات، فالدلالات ليست عبثاً، فتأتي كأنّها ردٌ "إسرائيلي" على فورد، مفاده لم ينتصر بعد، أو مع الأخذ بعين الاعتبار العنجهية "الإسرائيلية" تصبح "لن نسمح له بالانتصار" وهذا بالضبط مناط السخرية، حيث أنّ الزيارات "الإسرائيلية" لواشنطن وموسكو في سبيل أخذ الأمن"الإسرائيلي" بعين الاعتبار باءت بالفشل، ولكن فورد لم يكن منفرداً بالوصول لهذه النتيجة، بل تبعه المبعوث الأممي ستيفان ديمستورا الذي اعتبر أنّ"المعارضة" تنهزم، وأنّ داعش ستنتهي في شهر تشرين أول/اكتوبر، وتتوالى التصريحات من الرئاسة الفرنسية إلى الخارجية البريطانية إلى البيت الأبيض، حيث اعتبر ترامب في لقائه مع أمير الكويت أنّ الهدف الأمريكي في سوريا هو القضاء على داعش فقط.

طبعاً القضاء على داعش في العرف الأمريكي يعني استغلال وجودها للحد الأقصى والحفاظ على تمددها وبقائها، فكما قال رامي عبدالرحمن رئيس المرصد السوري لحقوق الإنسان "المعارض" ما نصّه، "استعاد جيش النظام وحلفائه أربعين ألف كيلومتر من قبضة داعش، في الوقت الذي كان يحاول فيه التحالف الغربي استعادة أربعين كيلو متر في محافظة الرقة"، ونحن لا نحتاج لأدلةٍ للرعاية الأمريكية لداعش، فالشواهد أكثر من أن تُحصى، ولكن هذا التقدم الذي يحرزه الجيش السوري وحلفائه وأدّ كل الطموحات "الإسرائيلية" ما كبر منها وما صغر، وسبع سنواتٍ من العدوان لم تنتزع تنازلاً سورياً واحداً بما خصَّ الموقف من"إسرائيل"، باستثناء عملية نزع السلاح الكيماوي وهو تنازلٌ إن كان سلبياً من اتجاهٍ واحد فهو إيجابيٌ من عدة وجوه، فهل يعتقد من اتخذ قرار الغارة على سوريا أنّه بهذا الغضب الطفولي سينتزع التازلات، هو حتماً لم يدر في خلده ذلك، فهو يدرك تماماً أنّ التنازلات لو كانت واردة لدى القيادة السورية أو الحلفاء، لما عاد من موسكو وقبلها واشنطن بخفي حنين، هو فقط أراد الصراخ بالتزامن مع صراخ المناورة الكبرى التي يجريها، ليلتفت إليه الماضون إلى تحطيم آخر أمنياته في سوريا، ويحاول أن يقول لهم لهم كذباً، لست أتآكل ردعياً كما تجزمون.