نقص المعلومات يجعل من التنبؤ فيما يحدث مسألة في غاية الصعوبة، هل المصالحة هي اِبنة الضرورة الوطنية أم أن هناك عصا غليظة على رؤوس الأطراف تدفعها بهذا المسار؟ هل القوى الوطنية وصلت الى قناعات جديدة بعد هذا العناد الذي دمر أجيال في غزة أم أن هناك من وصل الى تلك القناعة ويدفع الفلسطيني بقوة؟ أم أن المصالحة باتت ضرورة دولية وجزء من مطابخ السياسة الكونية؟

لا أحد يعرف حتى اللحظة ولا أحد يصدق لكن الاندفاعة تقول أن قطار المصالحة وضع على السكة الصحيحة وبدأ بالتحرك فالحكومة اليوم في غزة وهذا لم يحدث طوال السنوات العشر الماضية تتسلم وزاراتها بكل هدوء ودون محالفات أو مبررات التعطيل حتى واِن كانت تلك الزيارة بروتوكولية سيتبعها حوار في القاهرة لكن لأول مرة أيضاً هناك وفد من المخابرات المصرية في غزة بعد أن غادرها للمرة الأخيرة في حزيران 2007.

علينا أن نسلم أن المجتمع الفلسطيني بكل مكوناته فشل في أن يشكل قوة ضغط حقيقية على أطراف الأزمة ومفتعليها فلا القوى استطاعت أن تحرك حجراً أمام صخرة الانقسام ولا مؤسسات المجتمع المدني ولا الصحافة ولا رجال الاقتصاد الذين أكلوا من رأس المال لسنوات طويلة، كلنا فشلنا وها هي المصالحة كأنها تقلع بكبسة زر ، من الذي ضغطه ؟ بكل الظروف شكراً لكل الذين تدخلوا وأخذوا الفصائل الى حيث مصالح شعبها رغماً عنها.

المشروع الوطني يمر بأخطر مراحله فالوضع الداخلي على درجة من الوهن والوضع الاقليمي ينساق باتجاه تل أبيب بسرعة الفهد وملك البحرين يتحول فجأة الى أشد المدافعين عن اسرائيل ليهاجم مقاطعتها وهي الأداة الوحيدة التي بات الفلسطينيون يعولون عليها لعزل دولة الاحتلال والوضع الدولي بعد مجيء ترامب كأنه يشهد عاصفة مؤيدة لاسرائيل الى الدرجة التي يعلن فيها السفير الأميركي بتل أبيب تأييده للاستيطان في الضفة الغربية ، وفي كل هذه المناخات تأت المصالحة التي تأخرت جيلاً كاملاً.

غزة تعود للسلطة، أو السلطة تعود لغزة وهذا مدعاة للارتياح في غزة التي لم تصدق من شدة الفرح حيث يتسائل الناس هل سيفتح المعبر؟ هل سينهض الاقتصاد؟ هل ستعود الحياة الطبيعية لغزة؟ هل سنعود بشر؟ وأسئلة كثيرة تخفي مرارة السنوات التي لم يكن للناس هنا قيمة في عداد الدول الكبرى وفي عداد القوى الفلسطينية أيضاً.

لا أحد يصدق أن القوى الفلسطينية قادرة على انجاز مصالحة، يتذكر الناس تصريح ممثل الرئيس الأميركي جيسون غرينلات عند زيارته لحدود قطاع غزة عندما تحدث عن عودة السلطة الى القطاع وربما يتذكرون الرباعية الدولية التي كانت شروطها سيفاً قسم الفلسطينين الآن تحولت الى داعم للمصالحة والناس هنا تحاول أن تتناسى حتى لا تحرج القوى الفلسطينية لأن كل همها هو الوصول لنهاية هذا الكابوس الطويل.

غزة تتوق للبشرى وتتوق لمصالحة تفتح تاريخاً جديداً لهذه المدينة الساحلية التي دفعت ثمن المشروع الوطني ولكن الخطر الشديد هنا في هذه الأجواء ألا تستدرجنا المصالحة الى اعادة مركزة النظام السياسي في غزة بعد ابتلاع الضفة الغربية وسيطرة الاستيطان والادارة المدنية على كل شيء فيها وهناك المشروع الاسرائيلي الحقيقي وليس هنا في غزة التي قررت منذ عقود التخلي عنها، الحذر أن نرى أنفسنا جميعاً تحت شعارات الاعمار والانبعاث وانقاذ غزة نسقط في هذا المشروع، غزة جزء من الوطن وليس كل الوطن، من حقها أن تعيش بعد هذا الظلم الذي تعرضت له لسنوات من ذوي القربى آن الأوان أن يفرج عنها ولكن ليس على حساب المشروع الوطني الذي اختفى في ذروة الصراع على السلطة وذروة المصالحة على السلطة.

حوار القاهرة الذي سيتبع وصول الحكومة لغزة هام للتوصل الى اتفاق على القضايا الخلافية وأهمها قضية السلاح والذي يراقب سرعة المسار والقوى الدافعة التي تقف خلفه بات يدرك أن كل القضايا يمكن أن تحل لم يعد الأمر متروكاً للفلسطينين ليمارسوا ترف خلافاتهم الأمر أبعد من ذلك فهل هناك قرار دولي؟ اِن كان كذلك لا شيء سيقف في طريقه وسيخرج الدخان الأبيض من القاهرة.

خاص نبـأ برس|| نسمح بإعادة النشر شرط ذكر المصدر.. يُحظر القيام بأي تعديل، تحوير أو تغيير في النص

[email protected]