لا يختلف إثنان على أن يوم أمس لا يشبه أيام 10 سنوات مضت من عمر الإنقسام، حيث المرة الأولى التي تحمل فيها كتيبة جند من أجهزة أمن السلطة الفلسطينية سلاحها في شوارع غزة؛ مناط بها تأمين زيارة رئيس الوزراء رامي الحمدلله ووفده الحكومي الذي نام ليلته في غزة منهكاً بعد جولة ميدانية ومباحثات في الغرف المغلقة، لم يتسنى لأحد اكتشاف فحواها.

الشيء المهم الآن الذي يمكننا قراءته من دون التنصت عما يدور في الغرف المغلقة، هو أن الشارع في غزة يضج حيويةً وفرحاً بحصول هذا الإختراق القائم في جدار الإنقسام بين حركتي حماس وفتح، وإن شئت قل بين سلطتين أو حكومتين وبرنامجين سياسيين لم يكتب أن التقيا على مدار عشر سنوات إلا في محطتين (مكة 2007، الشاطئ 2013).

ويبدو جلياً أن خروج الشارع بهذه الكثافة للترحيب برئيس الوزراء رامي الحمدلله ما هو إلا استفتاء على رغبة الشارع في التغيير، ودعماً لموقف رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الذي منح رئيس وزراءه الضوء الأخضر لمواصلة مشورع المصالحة الذي ترعاه المخابرات المصرية بشكل مباشر.

المفارقة، أن هذا الاستفتاء كان يمكن فهمه في سياقه الطبيعي على أنه مؤشر على لفظ حكم حماس الذي اتمد عقد من الزمن، على اعتبار أن الحكومات لن ترض الشعوب حتى لو أضاءت أصابعها العشر  شموعاً، لكنه جاء بعد سلسلة إجراءات قمعية اتخذها أبو مازن ضد موظفي السلطة في غزة باستقطاع ثلثي رواتبهم، وفرض التقاعد المبكر على الآلاف منهم، وتقليص التحويلات المرضية للعلاج في الخارج، وغيرها من الإجراءات.

وهذا إن دل على شيء، إنما يدل على أن الحالة التي يعيشها الشعب في غزة، تنم عن نقمته على الواقع الذي يعيش، فمن غير المعقول أن يظل يرزح شعب في سجن كبير من دون أي افق سياسي أو فرصة في العيش الكريم، في ظل تنعت الجهات المسؤولة ووقفها خلف اشتراطات تزيد من معاناته، مثل ارتهان تسليم معبر رفح بقبول الحمدلله بدفع رواتب موظفي غزة. 

وبالتالي، كانت الرغبة الشعبية ذاهبة باتجاه ضرورة التحالف مع الشياطين الحمر، لغاية فك هذا الحصار والتخلص من لعنته التي لم ترد شاردة ولا واردة إلا وجاءت عليها، فمن حرمان من الكهرباء، إلى حرمان من السفر وحرية التنقل، إلى فقدان مصادر الدخل، وتنامي أرقام البطالة والفقر بشكل غير مسبوق، فضلا عن تدهور الحالة النفسية لآلاف الشباب الذين رؤوا في الإنتحار وسيلة للخلوص من هذا الواقع، ولنا في مهند يونس خير شاهد. 

يمكن الجزم بأن الشعب ما خرج اليوم محبة في السلطة فهي كانت ولازالت جزء من حالة البؤس التي يعانيها، لاسيما إذا ما أخذ بالاعتبار تصريحات "الحمدلله" وقتما غرد على صفحته على فيسبوك قائلا: "الخميس سيرفع الحصار عن غزة"، وهذا ينزع عن اسرائيل صفة حصارها لغزة، ويضع السلطة في مرمى الاتهام بأنها متسب رئيس في الحالة السوداوية، حتى لا يظن البعض أن هناك طرف بريء مما يعانيه الناس هنا في هذه البقعة المنسية.  غير أن هذه الحالة أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها "حلاوة الروح"، التي ترنو إلى استنشاق الحرية وتتطلع إلى بارقة ضوء في هذا النفق المعتم. 

الشعب ليس مغيباً عن حجم العراقيل التي تقف سداً أمام المصالحة، خصوصا الملف الأمني وتعقيداته والسؤال البديهي عن كيفية إعادة هيكلة ما يزيد عن عشرة أجهزة أمنية في كل من غزة والضفة، في حين أن اثنين منهما لم يستطعا أن يتوافقا على تأمين حماية وفد الحكومة المتواجد في غزة الآن (حرس الرئيس- الأمن والحماية)؟!. ولكن التغيرات الديناميكية على الأرض خصوصا المتعلقة بالتواجد الأمني المصري، تدفع البعض ليقول: "لعل وعسى أن تكون هذه المرة غير".