إنهاء الانقسام البغيض وتحقيق الوحدة الوطنية المرّجوة مطلب شعبي واستحقاق وطني يُحقق بالتأكيد المصلحة الشعبية والوطنية، وإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني المُحاصر في قطاع غزة ضرورة إنسانية وأخلاقية ووطنية، وحل مشكلات غزة العديدة المتراكمة عمل وطني من الطراز الأول يعزز صمود الناس فوق أرضهم، والعمل على توفير سُبل الحياة ومقوماتها الأساسية للناس في وطنهم يدعم صمودهم في وطنهم ومقاومتهم لعدوهم، وفتح آفاق العمل والإنتاج والإبداع أمام الأجيال الصاعدة من الشباب يجعلهم مشاركين في مستقبلهم وتحرير ونهضة بلادهم.

وإنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية هو الطريق لتحقيق كل ذلك، ولكي يتم كل ذلك من الطبيعي أن يكون مبنياً على أُسسٍ سليمة وأركان متينة تضمن فعلياً إنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية وإعادة وضع عجلات قطار المشروع الوطني الفلسطيني مُجدداً على قضبان طريق التحرير والعودة والاستقلال، ولكي يتم ذلك لابد من أن تكون المصالحة الوطنية أكبر من ذلك الذي يحدث الآن رغم علو ضجيجه ولمعان بريقه، ومن هذه الأسس والأركان التي تضمن فعلياً إنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية.

أي مصالحة وطنية من الطبيعي أن تُعالج الأسباب التي مهدّت للانقسام كي لا يتكرر سيناريو الانقسام من جديد، ومن هذه الأسباب بل في مقدمتها الفكر السياسي الفلسطيني الذي أنتج اتفاقية وسلطة أوسلو، هذا الفكر السياسي الذي انطلق من البرنامج المرحلي المعروف ببرنامج النقاط العشر لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1974 ثم انحرف بزاوية منفرجة ليحط رحاله في اتفاقية أوسلو والسلطة الفلسطينية، وبدلاً من إقامة سلطة وطنية على أي أرض يتم تحريرها من فلسطين كما ورد في بنود البرنامج المرحلي، أقام سلطة وطنية فلسطينية تحت الاحتلال في قلب واضح لقوانين المنطق وسنن الثورة التي يسبق فيها التحرير إقامة الكيان الوطني، فأصبح لدينا كيان سياسي وطني غير محدد المعالم أقل من دولة وأكبر من حكم الذاتي، وإذا كان هذا قد حدث بالفعل فأصبحت السلطة أمراً واقعاً على الأرض ثم انقسمت إلى سلطتين وأردنا توحيدهما وتحقيق وحدتنا الوطنية ولكي لا نعود إلى تكرار سيناريو الانقسام فالأفضل أن يتم توحيدهما على أساس فكر سياسي جديد يخرج الشعب الفلسطيني من مأزقي أوسلو والانقسام معاً.

أي مصالحة وطنية من الطبيعي أن ترتكز على فلسفة وطنية مختلفة عن الفلسفة التي قادت إلى الانقسام وحافظت عليه أحد عشر عاماً متتالية، وبالتحديد التخلّص من الفلسفة الحزبية التي قادت وهيمنت طوال مرحلة الانقسام وكانت تنطلق من رؤية التقاسم الوظيفي للسلطة والمحاصصة الحزبية لامتيازاتها، وأحياناً ترى في إدارة الانقسام وتوزيع النفوذ مخرجاً مناسباً للانقسام، وربما تلجأ إلى آليات الصلح العشائري والتراضي القبلي على اعتبار أن فتح وحماس قبيلتين متصارعتين. فالمطلوب هو الانتقال من كل ذلك إلى الرؤية الوطنية الشاملة للمصالحة التي ترتكز على إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني برمته ليشمل إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية لتكون بيتاً للكل الفلسطيني وقائدة للمشروع الوطني الجامع ومحافظة على الثوابت الوطنية ونهج المقاومة الشاملة، وإعادة تحديد وظائف السلطة الوطنية لتكون تحت إشراف المنظمة ورافعة للمشروع الوطني – وليس معيقاً له – وداعمة لصمود الشعب الفلسطيني فوق أرضه، أما الفصائل الفلسطينية فلا مانع من أن تحافظ على خصوصيتها ولكن في إطار النسيج الوطني العام بعد التوافق على المشروع الوطني الفلسطيني الذي يحافظ على الثوابت الوطنية ونهج المقاومة، أما مؤسسات المجتمع المدني المختلفة فيجب أن تكون جزءاً من وسائل الصمود والمقاومة ومشروع التحرير والعودة.

أي مصالحة وطنية من الطبيعي أن يحدد أطرافها بوضوح ودون لبس موقفهم من المقاومة بجميع أنواعها وأشكالها وفي مقدمتها المقاومة المسلحة وتعترف بمشروعيتها تحت الاحتلال وتهديد الاستيطان واستمرار جرائم وإرهاب المحتل، وأن تُعلن مُقدماً وصراحةً أنها لن تمس سلاح المقاومة ورجالها وبنيتها التحتية على الأرض وفوقها وأن تكون العقيدة الأمنية للسلطة الواحدة مختلفة عن عقيدة سلطة أوسلو الأمنية على أن يبقى ذلك السلاح نظيفاً لمواجهة العدو فقط عند الحاجة إليه ولا يُستخدم في أي صراع داخلي مجدداً، ولا يكون له أي دور في إدارة الشأن الداخلي الفلسطيني الذي يجب أن يستند إلى أحكام القانون وضوابط الدين والأخلاق والأعراف الاجتماعية فقط. أم الإعلان أن أي سلاح غير سلاح السلطة غير شرعي وغير قانوني فهو تجاهل واضح لشرعية الثورة وسلاحها منذ الطلقة الأولى في عمر الثورة الفلسطينية وحتى آخر الطلقات التي نفذ بها الشهيد نمر الجمل عمليتة البطولية فأردى ثلاثة من جنود الاحتلال صرعى فوق أرضنا المحتلة.

ختاماً المصالحة الوطنية التي تُنهي الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية وتنهي معاناة شعبنا الفلسطيني في غزة مطلب شعبي ووطني وإنساني وأخلاقي، ولضمان تحقيقها واستمرارها ينبغي أن تكون في إطار مراجعة الفكر السياسي الذي مهّد للانقسام، وتغيير الفلسفة الحزبية التي قادت وهيمنت طوال مرحلة الانقسام، وتغيير العقيدة السياسية والأمنية للسلطة التي تخرج المقاومة وسلاحها من دائرة المشروعية الوطنية والثورية.