لا يمكن ان يكون هناك مواطن فلسطيني عاقل يعارض المصالحة الفلسطينية وعودة اللحمة لشقي الوطن وهو ما يمكن ان يقود لحل بعض مشكلات غزة التي سيسمح الاحتلال بحلها طبعا كتحسين الوضع الانساني والاقتصادي في غزة من العلاج الى توفير فرص عمل الى فتح بوابات معبر رفح لأيام أكثر من السابق وليس دائما طبعا.

لكن من المعلوم بالضرورة ان أي خطوة تسهيلات يُقدم عليها الاحتلال لابد لها من ثمن، هذا ما تعودنا عليه ويفرضه الواقع المؤلم الذي يجعل القرار دائما بيد القوة المتغطرسة التي تفرض عليك -دون ارادة منك- الوقت الذي يجب عليك فيه ان تذهب للحرب او تذهب للرخاء المعيشي، او حتى المصالحة.

بالتأكيد ليس معقولا أن نتخيل كل من يتقدم على المستوى الفلسطيني لتطبيق المصالحة في دائرة الخيانة فلكل طرف أهدافه التي يحاول جاهدا الوصول إليها من خلال اتفاق الصلح الفلسطيني، لكن باعتقادنا هناك دائما أهداف واقعية واهداف مستحيلة، وأهداف صعبة ومكلفة.

حركة حماس التي قال نائب رئيس مكتبها السياسي موسى ابو مرزوق قبل أيام إن الفيتو الأميركي على المصالحة لم يعد قائما، تسعى لتطبيق نموذج حزب الله في قطاع غزة، بمعنى أن تبقى الحركة تحتفظ بكامل قوتها العسكرية بل وتعززها بشكل أكبر، فيما تتسلم الحكومة الفلسطينية زمام الحكم بشرط عدم الاقتراب من السلاح والأنفاق، لكن..

من المعلوم أن حزب الله يترعرع في لبنان هذا البلد المستقل بأرضه ومياهه وأجوائه واذا ما قرر الاحتفاظ بقوته وتعزيزها في ظل وجود حكومة سعد الحريري او حتى فؤاد السنيورة فلا يمكن لاسرائيل ان تعترض أو تحاصر لبنان بسبب وجود هذه المقاومة، ما سيقود لحرب واسعة لطالما تجنبتها اسرائيل وخشيتها، لكن النموذج المشابه الذي تراه قيادة حماس ممكنا، يقع في منطقة جغرافية ليس لها سيادة مستقلة بل محتلة، والاحتلال الذي يوافق على اتفاق المصالحة ويسهل حركة وزراء حكومة رامي الحمدالله باتجاه غزة لا يمكن ان يقبل في المقابل بتعاظم قوة المقاومة في غزة، ما يعزز الذهاب باتجاه سيناريو صعب وقاسي ينتظر المقاومة في غزة.

إسرائيل التي صاغ خبراؤها ما تسمى بصفقة القرن المرتقبة، والتي سيتم بمقتضاها تكريس وجودها وبناء علاقات جيدة وعلنية بينها وبين محيطها العربي، هي أيضا من سمحت وربما شاركت بصياغة اتفاق المصالحة مقدمة لتوقيع ممثل وحيد عن كل الشعب الفلسطيني على الجزء الخاص بتسوية القضية الفلسطينية من الصفقة التي يتبناها رأس هرم الولايات المتحدة دونالد ترامب.

تصريح نتنياهو بشروط اسرائيل لقبول المصالحة المتمثلة في الاعتراف بيهودية الدولة وحل كتائب القسام الجناح العسكري لحماس وايضا قطع اي شكل من اشكال العلاقة مع ايران، يتماهي بشكل كبير مع ما تحدث به الرئيس ابو مازن عندما قال "لو أن شخصا من فتح في الضفة يحمل سلاحا غير السلاح الشرعي سيتم اعتقاله، وهذا ما سأعمل عليه في غزة"، ما يعني أن المقاومة الفلسطينية أمام سيناريو صعب، حيث ان المخابرات المصرية بصفتها الراعي المباشر لتنفيذ مراحل المصالحة الى جانب المخابرات الفلسطينية التي تحتفظ بأولوية ملف التنسيق الأمني مع الاحتلال لن ترضى بتحرك المقاومة في اي فعل عسكري ضد الاحتلال في المرحلة القادمة.

مضطرا لأجدد التأكيد هنا أنني لست ضد المصالحة وليس من الحكمة والشهامة الوقوف ضدها، لكن ما يجب قوله هو ان المرحلة القادمة ستحدد مصير القضية الفلسطينية والواجب ان تكون المقاومة الفلسطينية على يقظة تامة من فحوى ومقاصد الاتفاقيات ومجريات الاحداث التي تعود بذاكرتنا الى بداية سنوات الحصار عندما رفعت حركة حماس شعار "يد تبني ويد تقاوم"، وهو ما أغرقها في دهاليز الحياة السياسية وأعبائها المكبلة لفوهات البنادق، والأفضل عدم تكرار السيناريو فاليد التي تقاوم يجب ان تقضي كل وقتها في ذلك ولا تلتفت لغير ذلك في هذه البقعة المسلوبة من السيادة، وتمهيدا لوضع خطوط المقاومة الحمراء على طريق نموذج حزب الله الطويل والوعر، أظن أن الأنسب هو أن تعاود المقاومة عملها العسكري ضد الاحتلال في الضفة المحتلة وقطاع غزة بعد فترة وجيزة من تمكين الحكومة من مزاولة مهامها في غزة، وعلى الأقل أن لا تترك المقاومة أي اعتداء للاحتلال الا وتتبعه برد مؤلم وموضعي ودقيق، تأصيلا لسياسة توازن الردع، وعندما نقول كلمة المقاومة فانها لا تقتصر على حركة حماس فقط وانما كل فصائل المقاومة وخاصة الجهاد الاسلامي والجبهة الشعبية.

نريد المصالحة لكن ليس على حساب المقاومة من خلال سحب سلاحها او حتى تكبيله وتحييده عن المشهد، والنموذج الذي يمثله حزب الله يحتاج لجهود كبيرة أصعب من تلك التي بذلها حزب الله لظروف الجغرافيا والواقع السياسي الصعب، وهذا سيحتاج بالتأكيد لتضحيات جِسام تعيد البوصلة الى اتجاهها الصحيح بعد انحرافات متعددة، مع ضرورة توفر الحكمة في العمل بين الافراط والتفريط لدى المقاومة الى جانب التجرد الفعلي من كل مكاسب السلطة التي تضعنا جميعا في دائرة الخنوع والابتزاز.