عادةً ما يُقال أنّ ذاك الأمر قُتل بحثاً، أمّا موضوع المصالحة الفلسطينية فقد هُتك بحثاً، ورغم هذا الهتك فلا يوجد من يحاول التستر، فالأطراف جميعاً تقف على قارعة الطريق في رابعة النهار دون خجلٍ أو وجل، ويبدو أننا كشعبٍ تحت وطأة الانبهار بهذا الوضوح -حتى لا أقول العري- لم يساورنا السؤال عن المسؤول، الذي يُفترض به الاعتذار من الشعب وله عن سنواتٍ عشر، احتمل فيها الناس ما لا يُحتمل، ودفعوا من قضيتهم ودمائهم وقوتهم في سبيل خصومةٍ، لا تحتاج سوى لزيارتين متتاليتين إلى القاهرة، عادةً ما ينسحب أصحاب المشاريع السياسية الفاشلة من المشهد العام، إلّا  في  بلادنا العربية عموماً، فالفشل هو برنامجنا الانتخابي المتجدد، ونحن كفلسطينيين لسنا استثناءً لهذه القاعدة، فقد فشلنا في التصالح الذاتي المدفوع بمصالحنا الوطنية وحقوقنا التاريخية، وفشل التفاوض في تسول وطن، وفشلت المقاومة في أن تكون دولة، ولا يوجد حتى اللحظة أيّ طرفٍ مستعد للاعتراف بالفشل وتحمل تبعاته، ويسعى الجميع لتحمل فلسطين القضية، كل ما ترتب من نتائج الفشل.

يقول جبريل الرجوب"الجميع بمن فيهم حماس يعتقدون أنّ الصراع غير المسلح سيحقق الاهداف"، ولا أعرف إذا كان الرجوب مخولاً الحديث باسم حماس أو أنه يستجلب رداً للمناكفة، ولكن ما قاله الوزير المصري خالد فوزي في حضرة إسماعيل هنية يشي بذات المعنى، حيث اعتبر أنّ الأهداف النهائية لإتمام المصالحة هي السلام والتنمية، وقطع الطريق على كل الأطراف التي تحاول عرقلة الوصول لذلك، ولا أعرف عاقلاً يستطيع تسويغ الدفع الدولي والإقليمي تجاه المصالحة، على أنّه محاولة خيرية لتحصيل الحقوق الفلسطينية حتى في حدودها الدنيا، ولكن إن أردنا أن نكون أكثر عقلانية، نستطيع القول أنّ حماس التقت مع السلطة والأطراف الإقليمية والدولية في مكانٍ تظنه نقطة المنتصف، وهي نقطة مشروع حماس للهدنة ذات العشر أو العشرين سنة، وفي العام 2006 قال من يُطلق عليه"مهندس اتفاق المصالحة" يحيي السنوار أثناء فترة اعتقاله، "حماس مستعدة لإجراء هدنة مع إسرائيل على مدى جيل أو أكثر، لكن دون الاعتراف بها"، وربما ترى حماس أنّ الوقت بات مناسباً لتحقيق متطلبات هذه الهدنة، حيث ستكون الهدنة مقابل تحسين الظروف المعيشية لأهالي قطاع غزة وإعادة الإعمار وفتح المعابر، دون الانجرار لدفع أثمانٍ سياسية.

لا يعرف أحد حتى اللحظة ماهية ما يسمى بـ"صفقة القرن"، ولكنها حتماً لا علاقة لها من قريبٍ أو بعيد بحقوق الشعب الفلسطيني التاريخية، والأكثر حتميةً أنّها أيضاً بعيدة كل البعد عن مآرب حماس التهادنية، فاللعب مع الذئاب لعبة الموت ليس دائماً مأمون العواقب، والتهرب من دفع أثمانٍ سياسية ليس بالأمر الهيّن في ظلِّ سياسة صديق الجميع، كبديلٍ عن الاعتراف بفشل الرهان على مشاريعٍ ولدت ميتة، واللافت والطريف في ذات الوقت أنّ الحكومة المصرية الحالية، ما كان ليكون لديها مانع من علاقاتٍ حمساوية مع سوريا تكون ظهيراً وداعماً، بدل الذهاب منفردةً ومجردة من كل عمقٍ وقوة، سوى دموعٍ على مواطنٍ طحنته ظروف الحصار، والإمساك باليد المؤلمة لرئيس السلطة عن طريق النائب المفصول محمد دحلان، فلعبة الموت هذه بحاجة لامتلاك أدواتها وإتقان فنونها، وقد قلت سابقاً إذا كان رئيس السلطة بكل ما أوتيّ من استعداد لتقديم التنازلات مهما عظمت، أصبح عقبةً في وجه المشاريع المستقبلية أياً كان اسمها، فما طبيعة تلك المشاريع وماهيتها.

قرأت واستمعت للكثير من الإخوان المسلمين المقربين من حماس، وكان لديهم حالة من الإحباط حد نعيها كحركة مقاومة، وأعتبروا أنّها مارست ركوعاً مذلاً في هذه المصالحة، ولا أستطيع الجزم بدوافع هؤلاء أو إن كان هذا يعبر عن تبايناتٍ داخلية بين أجنحةٍ قطرية تركية وأخرى إيرانية، ولكنّي بكل الأحوال لا أتفق مع دوافعهم أياً كانت، فهي لن تخرج عن الغيظ من مشاهدة صوّر الرئيس المصري تُرفع في غزة، وهنا يأخذنا الحديث عمَّا يُقال أنّها استدارة تقوم بها حماس لصالح موقعها القديم، ولكن فيما لو آلت الأمور إلى حد رفع صوّر الرئيس الأسد في شوارع غزة، ليس من الكافي تقديم الأمر للجمهور والقواعد الشعبية باعتباره محظورات أملتها الضرورات، بل باعتباره عودة عن خطيئة تم اقترافها في لحظة نشوةٍ كاذبة، وقد يكون هذا التقديم صعباً وثقيلاً لكنه ضرورة تاريخية لإعادة تصحيح المنهج والرؤية، وقد صرّح القيادي في حركة حماس على قناة الميادين إسماعيل رضوان" أنّ قرار الحركة هو تعزيز العلاقات مع كل المحيط العربي والإسلامي"، وحين عاجلته المذيعة بسؤالٍ عن كون سوريا تندرج ضمن هذا القرار، اعتبرها استثناءً لحين استقرار أوضاعها مع التمني لها بالعافية والقوة، وهنا يجب التنبيه على أنّ أسوأ ما يمكن أن يحدث، هو انتظار مصافحة أردوغان للرئيس الأسد حتى يدرجوا سوريا في ذاك القرار.