لا نكاد نصدق نحن في غزة أن كابوس الانقسام اللعين يوشك على مغادرتنا وللأبد، فرحلة السير على الأشواك كانت طويلة ودامية، كيف انقضى عقد من العمر بين أربع جدران أو ثلاثة وبحر للغرق وحروب عابثة ؟ لنعود الى المربع الأول، كان بامكان اختصار الوقت واختصار الزمن والمعاناة ولكن أن تأتي متأخرة أفضل من ألا تأتِ أبداً بعد أن بلغ بنا اليأس أعلى مراحله.

اليوم هو الثالث والأخير على حوار هو الأكثر جدية والذي يعكس أننا وصلنا الى محطة النهاية هكذا بدون مقدمات فقد أخذتنا سرعة الأحداث بأكثر مما تصور الكثير التي يتناقلها البعض على وسائل التواصل الاجتماعي تعكس مزاجاً عاماً ينتظر لحظة الفرح أو بالأصح لحظة الفرج بعد تلك المغامرة العابثة، سلخ غزة عن السلطة، وبتأخير عشر سنوات اعادة غزة للسلطة، كان لابد لهذا الدرس من ثمن كلفته الدمار والدماء لكن الأهم هو أن ينخر الدرس عميقاً في رؤوس السياسيين بأن كل محاولات الاقصاء والتهميش هي ضرب من الجنون ومضيعة في عمر الشعوب ولا تليق بالمشتغلين بالسياسة.

فالسياسة هي ابنة حلول الوسط والقواسم المشتركة وادارة الخلاف والاختلاف وليس تفجيره وتحويله الى دماء في الشوارع وشتائم على وسائل الاعلام، السياسة هي ابنة التوافق وغير ذلك يكون العمل قبائلياً انتقامياً حتى لو تهدمت كل خيام العشيرة ، عندما تصحو الناس من الكابوس تقف لحظة تأمل مع ذاتها بعد أن يتباعد الخوف وعلى الضمير أن يعيد حساباته بأعلى درجات المعاتبة أين أخطأ وبحق من وكيف لأن الشعوب أمانة في يد السياسيين وليست مادة خام للتجربة.

ثقافة جديدة ينبغي استيلادها من رحم التجربة المريرة، ثقافة التسامح والتوحد التي غابت لسنوات وحلت محلها قيم الهيمنة والتفرد واستثمار كل الامكانيات لشطب الآخر بلا رحمة، لم نتعلم من دروس التاريخ ولا من تجارب الشعوب الأخرى التي أشعلت حروباً أهلية أكلت خيرة شبابها وفي النهاية جلس الخصوم على الطاولة، في أميركا كانت حرباً أهلية طاحنة وفي أسبانيا وفي الجوار اللبناني رأينا بأم أعيننا بل دفعنا جزء من ثمن الطيش اللبناني حينها.

لم نتعلم ، أغمضنا أعيننا وبدأنا من نقطة الصفر وكل منا أراد الوطن لوحده، لم تصدق حماس حينها بتجربتها الوليدة أن مسارها في التفرد بغزة كان خاطئاً وأن عليها العودة لأن الوقت في محاولات البناء على الخطأ لن تنجح، كان لابد من كل هذا الثمن لندرك جميعاً أن الوطن بحاجة الى تعاون كل قواه لأن جميعها تتكسر فرادى ان تشتتت وهذا ما حصل ، ننتظر أن يصعد الدخان الأبيض اليوم معلناً عهداً جديداً جميعنا بانتظاره وجميعنا مستعد لنسيان الماضي بكل آلامه لأن الحديث عن الماضي وعن الحساب قد يعيق التقدم، بحاجة الى أن يسامح الجميع الجميع وأن الحساب سيكون متروكاً لصندوق الانتخاب بشكل حضاري كما تفعل كل الشعوب الحرة التي تكافيء أو تعاقب واذا صعد الدخان اليوم سنقول شكراً فنحن نراقب رائحة المدخنة ونتوق لها سنستقبلهم بفرح حتى وان أخطأوا كثيراً بحقنا.

سنقول شكراً لكل من زرع بذرة في حديقة المصالحة وشكراً لمن يرعى هذا الاتفاق والشكر الأكبر لهذا الشعب العظيم الذي تحمل ويلات الانقسام وعبث الفرقاء هذا الشعب الذي بكى بصمت وهدوء حتى لا يسمع الأعداء ما فيه من الخزف المكسر يستحق أن ترفع له الرايات وتنحني له قبعات كل الذين جعلوه فأر التجارب في مختبرات السياسة ليقولوا له فشلت التجربة وعلينا العودة الى البداية الى التوافق والانتخابات والشراكة وكل ما كان يجب أن يتحقق قبل عشر سنوات لولا الرؤوس الحامية التي أدارها وهج السلاح.

نعم نحن بحاجة الى مراجعة الماضي للاستفادة ولبناء نظام ديمقراطي فكل الذين حاربوا أنفسهم وصلوا لقناعات جديدة معاكسة لما اعتقدوا عندما أشهروا السلاح ليأخذهم الى زاوية جديدة، فان أعظم الدول الديمقراطية قد مرت بحروب أهلية، كانت الحروب حساب الضمير وحساب السياسة الجديد في برلمانات تعددت وحكومات تجمع أكثر من حزب ومن اتجاه أقلعوا فأقلعت أوطانهم.

هناك بعض المتوجسين من المصالحة، لكن المصالحة في أسوأ حالاتها أفضل بما لا يقاس من أفضل انقسام وهذه هي الخيارات فقط بعد أن أغلقت كل المنافذ، مصالحة متأخرة، مصالحة عرجاء مصالحة محل تساؤلات نعم أفضل من الحرب التي استعرت وكادت تغرقنا كلنا لأن في استمرارها ما يعلن نهايتنا جميعاً فقد بدا الانهيار واضحاً في سنوات الانقسام العشر، انهيار غزة ومصادرة الضفة وتآكل المشروع الوطني وانسداد المفاوضات وانسداد أفق الصدام المسلح وكل شيء بدا مغلقاً فان المصالحة هي بداية النهوض بمشروعنا، بعد أن تتم سيقف الجميع يبحثون في النهوض من جديد، هذا هو الأمل وهذا هو طريق العمل الذي ينتظر الجميع، موحدين وان تأخروا عشر سنوات.

خاص نبـأ برس|| نسمح بإعادة النشر شرط ذكر المصدر.. يُحظر القيام بأي تعديل، تحوير أو تغيير في النص

[email protected]