رسميا أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية، الجمعة الماضية، رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان منذ 20 عامًا، وأشارت إلى أن القرار جاء "اعترافًا بالإجراءات الإيجابية لحكومة الخرطوم"، ورغم أن القرار الأمريكي برفع العقوبات لم يتضمن إزالة السودان من قائمة الدول "الراعية للإرهاب"، إلا أنه كان جديرا بتحول السودان من دولة مناهضة لـ(المحور الأمريكي) الى دولة حليفة وايجابية في نطر الادارة الأميركية.

عملياً، منعت السلطات في الخرطوم أخيراً، تنظيمات إسلامية بينها أحزاب مشاركة في الحكومة من إقامة صلاة الغائب على روح المرشد الأسبق لـ"الإخوان المسلمين" في مصر، مهدي عاكف. كما تشير تصريحات لقيادات في الحزب الحاكم بوضوح، إلى تغيير في خطاب الحزب ليتخذ صيغة تصالحية ويتناغم مع دعوات المجتمع الدولي في محاربة الإرهاب، كما لم تبد بعض تلك القيادات في تصريحات علنية تناقلتها وسائل إعلام سودانية، مانعاً في التعاطي مع (إسرائيل) "وفقاً لمصالح البلاد".

نائب الأمانة العدلية في السوادن الشيخ النزير الطيب، قال في تصريح نقلته صحيفة "الجريدة" السودانية، لا مانع من أن تبحث عن مصلحتك إذا كنت مضطراً، وعلى الرغم من أنه شدد على عدم وجود اتجاه للتطبيع مع (إسرائيل) باعتبارها "محتلة لدولة مسلمة"، عاد ليعتبر في حديثه أن "التيار الشيعي هو الأخطر وليس إسرائيل".

رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" إسماعيل هنية، هنأ الرئيس السوداني عمر حسن البشير برفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية الظالمة وإجراءاتها الجائرة، معبرا في رسالة للرئيس السوداني عن عميق فرحة الشعب الفلسطيني برفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية التي طالت السودان الشقيق وشعبه الكريم لسنوات طويلة، لكن يبدو ان القرار الأميركي برفع العقوبات الاقتصادية لم يأت خالياً من الرقابة والتقييم، كما يرى مراقبون.

المحلل السياسي ايهاب زكي يرى أن السودان أصبح تابعاً للخارجية السعودية، ويسير على ذات النهج بصناعة منطق لامنطقي وهو مسالمة (إسرائيل) ومعاداة إيران، بعد أن سلط الغرب سيف المحكمة الجنائية الدولية على رقبة البشير.

يقول زكي لوكالة "نبأ برس" إن السعودية تحاول اليوم تحشيد أكبر عدد من الدول العربية لصالح مشروعها التصفوي للقضية الفلسطينية، والسودان برأسه "الإخواني" أبدى استعدادا عمليا للانخراط بهذا المشروع مقابل فتات مالي أولاً ومكاسب شخصية للبشير تخص وضعه القانوني على المستوى الدولي.
يضيف المحلل السياسي بأن البشير يعرف أنّ الطريق إلى قلب الولايات المتحدة يمر عبر (إسرائيل)، ومن هنا تأتي التصريحات حول القابلية لتطبيع العلاقات معها، ويتابع: "البشير هنا يمارس لعبة خطرة حيث يضع السودان على طاولة التقسيم النهائي، فعلاقات (اسرائيل) بمتمردي دارفور معلنة وقد قام رئيس حركة تحرير السودان-دارفور- عبد الواحد نور بزيارتها، وقد يكون استقلال دارفور احد شروط القبول، لذلك فإن السودان ينزلق نحو هاوية التقسيم الذي سيكون نتيجة طبيعية للتطبيع والتبعية للأهداف السعودية".

رؤية متطابقة حملها المحلل السياسي ثابت العمور، الذي اعتبر أننا أمام عملية غير اخلاقية وغير موضوعية، فاستدارة السودان للسعودية، بحسب العمور، كانت بحاجة لعربون وثمن، وهذا الثمن تمثل في الابتعاد عن الاخوان وايران والتودد لـ (اسرائيل).
يضيف العمور لوكالة "نبأ برس"، أن الاقليم يشهد حالة من اعادة الاصطفاف، والسودان تقع ضمن دائرة الدول التي تعيد تحالفاتها وعلاقاتها، مقابل رفع الحصار الامريكي.
يوضح العمور بأن السعودية الان تقود خارطة تحالفات عربية جديدة ويبدو ان السودان تريد ان تكون ضمن الادوات التي تستخدمها السعودية التي تدور، بدورها، ضمن مخطط تخطه لها واشنطن ولا يمكنها الخروج عليه او عنه.
ويشير العمور في نهاية حديثه إلى أن دوران السودان في فلك السعودية سيجعلها تذهب مباشرة أينما ذهبت الأخيرة، ولو كان ذلك باتجاه التطبيع مع (اسرائيل).
وعلى الرغم من كل هذا الانزلاق السوداني إلا أن القرار الأميركي برفع العقوبات الاقتصادية، حمل محاذير للحكومة السودانية جعلت الباب موارباً للعودة لنقطة العقوبات، فضلاً عن ممارسة مزيد من الضغط في حال تراجعت الخرطوم عما أحرزته من تقدم في المسارات المتفق عليها.

إلى جانب ذلك رأى مختصون أمنيون أن رفع العقوبات عن السودان ارتبط بتنازلات أمنية كبيرة قدمتها الدولة على صعيد السياسات الخارجية، فحكومة البشير كانت أول من شارك في حرب (عاصفة الحزم) السعودية ضد اليمن، كما قطعت علاقاتها مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية وأغلقت المستشارية الثقافية للسفارة هناك، وكل ذلك مرتبط بخدمات أمنية قدمتها بإغلاق حدودها أمام حركة السلاح الذي تزود به إيران المقاومة في غزة، هذه الانعكاسات ساهمت في تحوّل السودان من بلد مناهض للمشروع الأمريكي والإسرائيلي، إلى داعم له، ويقف في الجبهة المقابلة في عداء قوى المقاومة في المنطقة، مغلفاً مواقفه بحجج طائفية.

ويؤكد مصدر عسكري مطلع في حركة الجهاد الإسلامي، أن المقاومة في غزة ستخسر خط إمدادها العسكري الرئيس بعد تبدل الموقف السوداني، حيث مثّل البلد الإفريقي حلقة وصل لوجستية هامة للمقاومة خلال السنوات الماضية.

أمام تلك التطورات يطرح التوقيت الذي رفعت فيه العقوبات كثيراً من التساؤلات، عن ارتباط الحدث بما يحدث في المنطقة من إعادة ترتيب، وحتى فيما يتعلق بالمصالحة الفلسطينية التي قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إن آخر نتاجاتها هو أن يحل "السلام والنماء" !