عادةً ما كانت وستظل سبابة السيد نصرالله، سبباً رئيسياً في إصابة كيان العدو بشهقة المصير، ولكنه في مواجهة أزمة داخلية مفتعلة سعودياً، كان هادئاً حد السخرية من منطق آل سعود، وقد عرض عليهم تشغيل أدمغتهم بدلاً من الركون للحقد والركود في الصبيانية وعدم الخبرة، وهذا الهدوء هو آخر ما يحتاجه آل سعود في مخطط إشعال لبنان وزجّه في أتون الفتنة، وقد أشار السيد نصرالله إلى معلوماته عن اتصالات تأتي من السعودية لأطرافٍ لبنانية تستنفرهم للتحرك وتسعير النار، وهذا ما يُلاحظ من كمّ الافتراءات والتدليس الذي تغرق به الشاشات والمقالات.

 وما لا يدركه آل سعود أنّ حزب الله لو كان يتصرف على قاعدة الطيش والرعونة، لما أصبح قوة إقليمية تؤخذ بعين الاعتبار في حسابات الإقليم وخرائطه، لذلك نرى أنّ حلفاء حزب الله يعاملونه بوقارٍ وتقدير، كما أنّ أعداءه يعاملونه بهيبةٍ وجدية، باستثناء آل سعود الذين يفتقدون لمعاني الفروسية وحتى الرجولة، لذلك تراهم يخطئون في تقييم الرجال ومعرفة قدراتهم وأقدراهم.

 

إنّ اعتبار السيد نصرالله أنّ الاستقالة الجبرية لرئيس الحكومة اللبنانية غير نافذة، وكأنّها لم تكن، هو إدانة للسعودية باعتبارها تحتجز رئيساً لحكومة دولةٍ ذات سيادة على رأس عمله، وبالتالي فهو يتمتع بالحصانة الدبلوماسية والدولية، وهذا ما ينسف أهم ما احتجت به السعودية في مواجهة قانون"جاستا"، الذي اعتبرته ينسف مبدأً دولياً يُعتبر من الأسس المنشئة للعلاقات الدولية، وهو حصانة الدول والحكومات والبعثات الدبلوماسية.

 كما أنّ ما فعلته السعودية يناقض بالقطع مبدأ أصيل على هديه نشأت الأمم المتحدة، وهو مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، كضمانة لاستتباب الاستقرار الدولي، وبما أنّ السعودية تمارس سابقةً خطيرة في العلاقات الدولية، فإنها قد تصبح هي ذاتها ضحية لهذه السابقة الجُرمية، وبما أنّ هذه السابقة لن تصبح عرفاً دولياً بأيّ حالٍ من الأحوال، لكن شركات المحاماة الجشعة التي قد تلاحق آل سعود بناءً على قانون "جاستا"، ستحتج بهذه السابقة لمجابهة دفع آل سعود بمبدأ سيادة الدول، الذي سحقته السعودية برعونة شديدةٍ منها، وبذكاءٍ سياسيٍ رصين من السيد نصرالله وأركان السلطة اللبنانية في رئاسة الجمهورية ورئاسة البرلمان.

 كما أنّ أمراء آل سعود وحتى ملوكهم سيصبحوا عرضة للاحتجاز خصوصاً في الولايات المتحدة إن رأى قضاة "جاستا" ذلك، مرفقة برسالة من الكونجرس بالموافقة وبعدم الممانعة من البيت الأبيض.

 

كان رهان آل سعود على إحداث هزاتٍ أمنية في لبنان، ولم تكن المخيمات الفلسطينية بعيدة عن هذا الرهان، ولكن رعونة آل سعود لا تبرع في اقتناص اللحظات المناسبة وتقدير الموقف، فإنّ جسور التواصل المعاد ترميمها بين حزب الله وحماس، بالإضافة لزيارة وفد من حماس للرئيس اللبناني ميشيل عون ثم رئيس مجلس النواب نبيه بري، كان طبيعياً على ضوء ذلك أن ترفض "القوى الإسلامية" المتشددة في عين الحلوة لقاء اللواء أشرف ريفي، واعتبرت أنّ زيارته نذير شؤم ومحاولة إقحام المخيم في الشأن اللبناني الداخلي، بما يخدم مصالح السعودية بالتفجير، وقد كان ريفي أحد المقصودين بكلام السيد نصرالله حين أشار للمصرين على حدوث اغتيالاتٍ سياسية قريباً في لبنان، بما يؤشر لتخطيطٍ بالفعل لممارسة سياسة الاغتيالات ومن ثمّ اتهام الحزب.

 كما أنّ الزيارة المفاجئة للرئيس الفلسطيني محمود عباس للسعودية، والتي كان على جدولها حتماً ورقة المخيمات، تبخرت بعد لقاء اللواء عباس إبراهيم مدير عام الأمن اللبناني بالرئيس محمود عباس، ونقل تفهمه لأيّ إجراء لبناني في المخيمات يخص أمن لبنان، وهذا ما يجعل الكل الفلسطيني في حالة اطمئنان، بأنّه لا يوجد فلسطيني سيجازف بالوقوف في الخندق السعودي، الذي هو بالأصل خندق "إسرائيلي" وإن رفرفت فوقه الشهادتان.

قال أحد الدبلوماسيين الأمريكيين يوماً، "لا تكتمل اللعبة الدولية إذا لم يكن ناصر على الطاولة"، فهل يعني هذا أنّ الرئيس الأمريكي دوايت إيزنهاور قبل اتخاذ كل قرار كان عليه إبلاغ جمال عبد الناصر وأخذ موافقته، وهذا فحوى تصريح الرئيس الإيراني حسن روحاني، هذا التصريح الذي اُعتبر دليلاً قاطعاً على تبعية لبنان لإيران، حيث قال السيد نصرالله أنّه نُقل وفُهم بشكلٍ خاطئ، فالطبيعي أن تكون الدول الحيوية والفاعلة ذات وزنٍ واعتبار، وهذا بعكس الدول ذات الطبيعة الوظيفية والتبعية كحال السعودية، فكما كان كل إجراءٍ أو قرارٍ دولي يأخذ ردة فعل مصر عبدالناصر بعين الاعتبار، فإنّ كل قرارٍ دولي كذلك سيأخذ رد فعل إيران الثورة بعين الاعتبار والتحسب له.

 لذلك فإنّ هذا التحوير حد التزوير يصلح لمخاطبة جمهور معبأ سلفاً أحادي التفكير، لكنه لا يصمد أمام أقل تمحيص، وعليه فإنّ محور المقاومة يسير بخطوات ثابتة وواثقة نحو تعزيز قوته وحضوره، كمقدمة طبيعية لتكون يده العليا في رسم خرائط القرن الجديد، والمحور الأمريكي في تراجعٍ مستمرٍ ومتواصل، وقد يصل به الأمر للتخفف من العبء السعودي، وقد لا يكون هذا الأمر بعيداً، وتحت هذا الضغط قد نرى حفلاتٍ غير منقطعة للجنون السعودي، ولكنها بكل الأحول لن تكون ذات أثرٍ معطلٍ لنمو محور المقاومة وتقدمه.