لا تفوّت (إسرائيل) أي فرصةٍ متاحة دون توظيفها فيما يخدمها، ويبدو الأمر واضحاً في تعاطيها الهادئ والموارب مع المصالحة الفلسطينية التي وُقّعت أخيراً بين حركتي "فتح" و"حماس" في القاهرة؛ وذلك من خلال تعّرض قادة الاحتلال بشكل متكرر لسلاح المقاومة، وضرورة نزعه لإتمام المصالحة.

مراقبون يرون أن (إسرائيل) التزمت الصمت في أعقاب توقيع اتفاق المصالحة لنحو أسبوعين لإعطاء السلطة الفلسطينية فرصةً لتتحدث بشأن سلاح المقاومة ولقياس ردة الفعل المقابلة، وكون السلطة لم تصرح رسمياً في البداية عن طريقة تعاملها فيما يخص السلاح، فإن القادة الإسرائيليين أصبحوا ملزمين للخروج عن صمتهم لمحاولة استثمار الاندفاعة الحمساوية للتخفف من أعباء الحكم، بمزيد من المكتسبات.

وتعد طرح اشكالية الملف الأمني الذي أٌرجأ الحديث فيه إلى وقت لاحق في اتفاق القاهرة، هو المدخل المتجدد للحديث عن مصير السلاح، فالعقيدة الأمنية التي بناها الرئيس محمود عباس في مناطق سيطرة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، قامت أساساً على فصائل المقاومة من سلاحها إما بصفقات بيع مقابل وظائف حكومية كما حدث مع مجموعات كتائب شهداء الأقصى التابعة لفتح، أو بالضغط الأمني المشدد والمنسق مع الاحتلال لإحباط أي محاولة لتشكيل نواة عمل مسلح، هذه العقيدة تتنافي مع الواقع الغزاوي الذي بنته حركة حماس خلال عشر سنوات كانت فيها الأجهزة الأمنية ظهيراً مسانداً للمقاومة في مكافحة العملاء. 

هذه المعضلة التي كَثٌر الحديث فيها، تعتبر القنبلة التي من شأنها نسف ملف المصالحة وعودة الأمور إلى نقطة الصفر، إذ يعد التفكير في نزع السلاح ضرباً من الجنون؛ لذا كان الطرح المصري الذي تعاطى معه قائد حماس في غزة يلتف على إمكانية المساس بالسلاح، إلى طرق أخرى تصنعها الظروف، يمكن من خلالها تحييد السلاح وتقييده، ولعل الضبط المصري لردة فعل "الجهاد الإسلامي" على استشهاد 12 مقاوماً في نفق خانيونس، كانت أولى نماذج الاختبار الناجحة حتى اللحظة.

ووفقاً لمراقبين فإن وضع (إسرائيل) لشروط لتنفيذ المصالحة كنزع السلاح يأتى في ظل الحديث عن بدء الإدارة الأمريكية بصياغة خطة سلام تهدف إلى تجاوز كل المبادرات الأميركية السابقة بين (إسرائيل) والفلسطينيين والتي يتوقع عرضها على الطرفين مطلع العام المقبل.

ويرى المحلل السياسي أكرم عطاالله أن إسرائيل تسعى من خلال ربط اتمام المصالحة بنزع السلاح إلى تحقيق أقصى تطلعاتها التي تخدم أمنها من خلال استخدام سيف الاتفاقيات الموقعة بينها وبين السلطة الفلسطينية للنيل من وحدة الفلسطينيين.

وأوضح عطاالله في حديث خاص لـ "نبأ برس" أن حكومة الاحتلال تضع السلطة أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن تذهب السلطة باتجاه نزع الأسلحة حتى تتعاطى معها كسلطة فلسطينية قائمة، أو أن تعلن من جانبها أن منظومة السلطة خارج الاتفاقيات المتفق عليها.

وأشار عطاالله إلى أن (إسرائيل) ستبتز السلطة الفلسطينية مالياً في ملف السلاح بكل الأحوال لأنها تحاول عرقلة تنفيذ أي مصالحة لا تتضمن تنفيذ شروطها وخاصةً المتعلقة بالأمن، مبيناً أن السلطة لن تقبل بوجود سلاح.

وبشأن رفض إسرائيل دفع رواتب موظفي "حماس" بغزة علق عطاالله قائلاً "عدم دفع الأموال يأتي في سياق الابتزاز وعرقلة اتفاق المصالحة لأن إسرائيل ترى أن الفلسطينيين يقطعون خطوات جدية تجاه تحقيق المصالحة كما أنها لن تترك الفلسطينيين ليمضوا في مصالحة وفق مصالحهم فقط".

وفيما يتعلق بتصريحات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بشأن عدم تفريط مصر بأي قطعة أرض من أراضيها في شبه جزيرة سيناء في إطار ما يسمي بـ"اتفاق القرن"، وما أثير في أعقاب الزيارة السرية التي قام بها مبعوث الرئيس الأمريكي "جاريد كوشنر" إلى السعودية مؤخراً، علق عطاالله قائلاً "يبدو أن أميركا تطبخ شيئاً ما مع السعودية ومصر مطلعة على هذه القضايا وتدرك أن أميركا لديها رغبة للتقدم في ملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الشائك وبوتيرة متسارعة".

وقلل عطاالله من امكانية تفريط الدولة المصرية بأراضي سيناء في أية تسوية سياسية مقبلة، مبيناً أن تصريحات السيسي تأتي في سياق الرد على الشائعات التي تتناقلها وسائل الاعلام ولطمأنة الشارع المصري أيضاً.

واتفق المحلل السياسي عبد الستار قاسم إلى حد ما مع سابقه وقال إن "التوافق من خلال تمكين سلاح السلطة والحكومة كمنفذ وحيد القانون على الأرض في قطاع غزة، وأن يكون هناك ضمانات من حركة حماس والفصائل التي لديها أجنحة عسكرية بعدم استخدام السلاح في أي خلافات داخلية وحلّ الخلافات ضمن إطار التواصل الفصائلي والتنسيق ما بين الفصائل".

ويرى قاسم أن فكرة تجريد سلاح المقاومة أو تسليمه للسلطة والأجهزة الأمنية ليست واقعية، لأن وجود الاحتلال يتطلب حفاظ فصائل المقاومة على سلاحها والدفاع عن غزة، وعدم تكرار تجربة الضفة من اقتحامات واعتقالات يومية ولما تشكله المقاومة بغزة وسلاحها من ردع للاحتلال.

وبين المحلل قاسم أن مسالة سلاح المقاومة في قطاع غزة يمكن التوصل إلى اتفاق بشأنها ضمن المصالحة ما بين حركتي "حماس" و"فتح" وعودة الأجهزة الأمنية والحكومة للعمل في القطاع عبر ضمانات فصائلية برعاية مصرية.

وأشار قاسم إلى أن الاختبار الكبير للاتفاق الذى توصل إليه الطرفان بوساطة مصرية، وتضمن ضغطا حقيقيا على "حماس"، مرتبط من وجهة نظر إسرائيل بمسألة أخرى لا علاقة لها بشروط حياة الفلسطينيين، هذه المسألة لها علاقة بالقوة العسكرية فى غزة، وجوهر وجودها، ومن يسيطر عليها.

وتابع "إذا كانت السلطة ستسيطر على غزة، فإن عليها قبل كل شيء نزع سلاح "حماس"، ووفقاً للاتفاقات التي على أساس منها أقيمت السلطة، ليس هناك مجال لأن تحتفظ "حماس" بالسلاح الذى لديها اليوم، لا كمًّا ولا نوعًا".

واستبعد قاسم إمكانية تحقيق إقامة دولة فلسطينية شمال سيناء، عازياً ذلك إلى رفض الفلسطينيين بكافة مكوناتهم لذلك، كما أن الحكومة المصرية التي يمكن أن توافق قد تجد رفضاً شعبياً مصرياً واسعاً وهو ما سيدفعها لإجراء استفتاء شعبي.

وختم قاسم قائلاً "لا يمكن أن توافق إسرائيل على المصالحة ما دام هناك سلاح مقاومة والذي فرضت إسرائيل بسببه حصاراً على غزة وإن سلمت الفصائل سلاحها فسوف تنتهي وتتحول غزة إلى سنغافورة بدون بندقية".