لا تعدو محاولة تخيل جيب (شماركفول) العسكري "الإسرائيلي"، يقطع الإشارة الضوئية في إحدى ليالي شتاء 2018 على مفترق السرايا وسط مدينة غزة، سوى أنها مقاربة خارج حدود الواقع. 

هذا الإثبات في القول، لا يأتِ من قوة المقاومة المفرطة أو من الضعف الإسرائيلي العسكري الذي يحاول كسر شوكة البندقية قي القطاع، بقدر ما أن الميدان والوضع السياسي قد لا يسمحان بذلك مطلقاً.

المتتبع لتوقيت انسحاب الاحتلال من قطاع غزة في بداية 2005، يدرك أنه أراد تحقيق هدفين: نزع عبء القطاع عن كاهل الأمن الإسرائيلي، ثانيا كان الانسحاب مقدمة للحصار، كما أن الاحتلال لا يفكر مطلقا في العودة بمستوطناته إلى القطاع لأن ذلك سيكلفه الكثير. 

تلك التوطئة هي مقدمة لطرح السؤال: ماذا سيحدث إذا جرى نزع سلاح المقاومة وصار تحت أمرة السلطة؟، أو بصيغة ثانية: هل يكون القطاع نسخة كربون عن الضفة المحتلة؟. 

يجيب مراقبون بالإجماع على استحالة تحقيق هذا الأمر، وأن تطبق تجربة الضفة في غزة، معللين ذلك الأمر بعدة عوامل رئيسية أبرزها: أن غزة تختلف على كافة الصعد عن الضفة، ثانيا أن بنية المقاومة في القطاع متماسكة وضخمة جدا، على عكس الضفة. 

يتفق مع ذلك المحلل السياسي طلال عوكل، الذي قال: "إن المقاومة في غزة متنوعة وبنيتها ضخمة، هي عبارة عن جيش موزع على عدة كتائب تحمل أسماء الفصائل". ويبدو من حديث عوكل أن كعب المقاومة أعلى بكثير من مصطلح الإقصاء. يكمل عوكل:" فكرة الإقصاء أو إنهاء مرحلة المقاومة بغزة شيء من المستحيل".

سياسيا، يتفق المراقبون أن الصف السياسي بمختلف ألوانه لا يضمن الجهة الإسرائيلية، وخاصة لو تطرق الحديث عن آمال عملية التسوية وحل الدولتين، وهو ما يعطي مبرر لوجود السلاح في أيدي الفلسطينيين. 

يزيد على هذه النقطة عوكل :"هناك وعي جمعي من الساسة ألا ضمان لإسرائيل في عملية التسوية، خاصة ما يجهز له الرئيس الأمريكي بزعامة إسرائيل للشرق الأوسط".

وقد كثر الحديث مؤخرا عن نزع سلاح المقاومة، غير أن حركة حماس التي تعتبر رأس حربة المقاومة أكدت في أكثر من محفل وعلى لسان أكثر من مسؤول أن السلاح لا يمكن لأحد المساس به، وهو يعد من الخطوط الحمراء. 

في المقابل لاتزال السلطة ترفع كفة يدها في وجه حماس، بمعنى قف: لا يمكن للمصالحة أن تمر وأنتم تحملون السلاح. وقال مدير شرطة الفلسطينية برام الله اللواء حازم عطا الله، قبل أيام، بدون مواربة إن المصالحة ستكون معلقة في حال لم يتم سحب سلاح "القسام".

غير أن الغريب والمثير، أن حماس واضبت على تحفظها، فيما جاء الرد من القيادي المفصول من حركة فتح "محمد دحلان" الذي قال: "كلامك يا حازم عطا الله مردود عليك".

هنا، يشير الكاتب أكرم عطالله إلى أن السلطة محكومة بالتزامات واتفاقيات، ولا يجب أن يكون السلاح في قطاع غزة خارج منظومة هذه الاتفاقيات من وجهة نظرها، وقال: "إن برنامج الرئيس عباس لم يُبق على السلاح في الضفة الغربية وبالتالي هو يريد الشيء نفسه في قطاع غزة".

وأكد عطا الله أن هذا الحديث في ملف سلاح المقاومة يعد تجاوزا للخطوط الحمراء بالنسبة للمقاومة ولن تسمح به، لهذا اعتبر أن هذا الملف بمثابة "اللغم" الذي قد يفجر المصالحة.

ووفق إجماع المراقبون فأنه قد يسير ما اتفق عليه الطرفين في القاهرة على أن يجري تنحية سلاح المقاومة من الوضع الداخلي ولا يتدخل في الأمور المدنية، كذلك أن يخضع إلى قرار وطني، بمعنى أن يصبح قرار السلم والحرب في يد أبو مازن بصفته الرئيس.