يقف الإنسانُ مذهولاً أمام حجم المذبحة الرهيبة في مسجد قرية الروضة بشمال سيناء التي حدثت يوم الجمعة الماضية التي راح ضحيتها المئات من رجال القرية الصغيرة الآمنة في عملية إبادة جماعية للذكور من أهل القرية شيوخاً وشباباً وأطفالاً. ويندهش المرء من حجم الوحشية التي قُتل بها هؤلاء الضحايا ومقدار الحرص الشديد على القتل بالعبوات الناسفة وإطلاق الرصاص وحتى الإجهاز على الجرحى بالسلاح الأبيض من مجموعة متوحّشة فقدت كل صفاتها الإنسانية وارتكست إلى ما دون الحيوانات المفترسة، ويُجبر الفرد على التساؤل: من أين جاء كل هذا التوحّش؟ وكيف تراكم هذا المخزون الهائل من الحقد والشر في نفوس هذه المجموعة المفترسة ومن أرسلهم وكل أمثالهم وأضرابهم من الجماعات البشرية المتوحّشة في شتى أنحاء الأرض؟

ربما جاء كل هذا التوحّش من الطبيعة العربية المتوحّشة حسب نظرية ابن خلدون التي ذكرها في مقدمته في فصل (ان العرب إذا تغلبوا على الأوطان أسرع إليها الخراب) بقوله: «.... والسبب في ذلك أنهم أمة وحشية باستحكام عوائد التوحّش وأسبابه فيهم، فصار لهم خلقاً وجبلّة، وكان عندهم ملذوذاً لما فيه من الخروج من ربقة الحكم وعدم الانقياد للسياسة، وهذه الطبيعة منافية للعمران ومناقضة له... فصارت طبيعة وجودهم منافية للبناء الذي هو أصل العمران، وهذا حالهم على العموم». ويقول في فصل آخر عن العرب «وذلك أنهم بطبيعة التوحّش الذي فيهم أهل انتهاب وعيث (فساد)». وربما كان ابن خلدون يقصد العرب إذا لم تهذبهم سماحة الإسلام فظهرت عوائد وطبيعة التوحّش في المجرمين الذين ارتكبوا مذبحة الروضة كتجسيد فعلي لنظرية ابن خلدون وأضافوا عليها من عندهم نظرية إدارة التوحّش التي تسير عليها داعش وأخواتها الذين ساروا على دربها بغير إحسان.

ربما جاء كل هذا التوحّش من شربهم من نهر أفرغ فيه الشيطان دواء (خُلاصة الشر) فأُشربوا في قلوبهم الغلظة والقسوة، وفي عقولهم الجهل والتطرف وفي سلوكهم الهمجية والوحشية؛ في عملية قلب عكسية لمضمون رواية الأديب الكبير يوسف السباعي (أرض النفاق) التي ألقى فيها بطل الرواية كيس دواء في نهر النيل مكتوباً عليه (خُلاصة الأخلاق) في محاولة منه لحل مشكلة تدني الأخلاق في المجتمع ليشرب منه الناس جميعاً فيصبح المجتمع المصري مجتمعاً أخلاقياً تسوده الفضائل ويخلو من الرذائل. وإن لم تكن هذه المجموعة المتوحّشة قد شربت من خُلاصة الشر فكيف يمكن تفسير كل هذا الجنون الذي أصاب هذه الجماعات التكفيرية المتطرفة من قتل للناس بالجملة في الأسواق والمساجد والكنائس، بل والتفنن في عمليات القتل حرقاً بالنار أو غلياً بالماء أو دهساً بالدبابات أو تفتيتاً بالمتفجرات...

 

ربما جاء كل هذا التوحّش مصداقاً للحديث الشريف الذي رواه الشيخان عن حذيفة بن اليمان – رضي الله عنه – عندما سأل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن صفة أهل الشر فأجابه: « هم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، وهم قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا» . ومصداقاً لنبوءة الإمام علي – كرّم الله وجهه. عندما وصفهم وكأنما ينظر إليهم رداً على سؤال حول أشرار آخر الزمان كما رواه نُعيم بن حماد في كتاب الفتن: « ... قلوبهم كزبر الحديد، هم أصحاب الدولة لا يفون بعهد ولا ميثاق، يدعون إلى الحق وليسوا من أهله، أسماؤهم الكُنى ونسبتهم القُرى، وشعورهم مرخاة كشعور النساء...». وبعد كل هذا الوصف يُمكن أن نعرف مقدار قسوة قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوة.

ربما جاء كل هذا التوحّش من تراث عقيدي وفكري ومذهبي ثقيل يمتد بجذوره إلى عمق التاريخ ليبدأ من الخوارج الذين ابتدعوا جريمة تكفير المسلم فقادتهم إلى سفك الدماء واستباحة الأعراض وسرقة الأموال، فحملوا متلازمة التكفير والتقتيل فذهبت سُنّة شريرة إلى يومنا هذا فحملها الأشرار والجُهّال من الأمة وتوّلي كبرها كل أفاكٍ أثيم. وصورت أحد مشاهدها في صحراء نجد القاحلة الجدباء عندما تحالف الشيخ مع الأمير فتلاقح التطرف الديني مع الاستبداد السياسي لينتجا دعاة على أبواب جهنم وزعوا فتاوى التكفير والتضليل والتفسيق على ما عداهم من المسلمين. واعتبروا ان اجتهاد علمائهم في فهم النصوص الشرعية هو الإسلام نفسه وليس اجتهاداً في فهم الإسلام، وفكرهم الديني هو الدين نفسه وليس رؤية لفهم الدين، فأصبحت فتاويهم كأنها دين جديد ينسخ الدين القديم.

ربما جاء كل هذا التوحّش من قراءة خاطئة لعقيدة الفرقة الناجية التي تلتقي مع عقيدة شعب الله المختار عند اليهود، لينتجا معاً أصل الحقد ومنبع الكراهية وأم الجرائم ممثلة في تقديس الذات واحتقار الآخر فيتم نزع الصفة الإنسانية عن الآخرين باعتبارهم كفاراً أو (غوييم)، ووضعهم في مرتبة أدنى من البشر ليسهل قتلهم وإراقة دمائهم وانتهاك أعراضهم. وإذا التقوا مع اليهود الصهاينة في ذلك فإنهم يلتقون معهم أيضاً في اتباعهم لإستراتيجية الرعب التي اتبعها الصهاينة للاستيلاء على فلسطين وتفريغها من سكانها العرب، وهي نفس الإستراتيجية التي اتبعتها داعش في سوريا والعراق في إقامة دولتها البائدة، وما تقوم به بقايا داعش في سيناء لا يخرج من هذه الإستراتيجية التي تشترك بها الصهيونية والداعشية على حدٍ سواء.

ربما جاء كل هذا التوحّش من عقيدة (أولوية قتال المرتدين والرافضة) على (الكفار الأصليين) من الأعداء المحتلين لبلاد المسلمين كالصهاينة في فلسطين، وهذا ما يؤكده أبو بكر البغدادي زعيم داعش بقوله: «... فو الله لقتل المرتد أحب إلىَّ من مائة رأسٍ صليبية» والذي استند فيه إلى فتوى للإمام أحمد بن تيمية « قتال المرتدين مقدّم على قتال الكفار الأصليين». ويبرر ذلك أحد منظري التيار السلفي التكفيري بقوله: «ذلك بأن كفر الردة أغلظ بالإجماع من الكفر الأصلي، وأنه لم يصبح للكافرين على المسلمين سبيل إلاّ بهؤلاء المرتدين» والمقصود بالمرتدين وفق فهم هذه المجموعات المتوّحشة هم المسلمون من السنة المخالفون لفكرهم، أما الرافضة فهم المسلمون من الشيعة بكافة مذاهبهم. وهذه الرؤية تم تطبيقها على أرض الواقع بالفعل كما حدث في مسجد الروضة.

خُلاصة الكلام مهما بحثنا عن أسباب ومؤامرات خارجية موجودة فعلاً ولا ننكرها لكل هذا التوحّش الذي أنتج هذا الكم الهائل من العنف والقسوة لا مناص من البحث عن المنبع الذاتي الكامن في تراث الأمة الذي أنتج كل هذا الحقد والعنف والتوحّش وأدى إلى سفك هذا الكم الهائل من الدماء على مدار التاريخ. نبحث عن هذا المنبع الذاتي لننقيه ونتخلّص من الذي هو أدنى ونستبدل به الذي هو خير.