لا ينقص السعودية أي من مقومات لعب دور إقليمي ورغم ذلك لم تلعب أية دور ولا يتوقع أن تحظى بدور إقليمي غير تقليدي، وعندما سعت مؤخرا لتفعيل هذا الدور بدت وكأنها تهدم المعبد، بدا السلوك السياسي الخارجي السعودي كدب دخل إلى سوق تجاري، فحطم اليمن ،وبعثر العراق،ودك الوحدة في لبنان وعندما أخرج الحريري من الصورة قطع أحد أهم أذرعه، وخسر قاعدة شعبية جماهيرية عربية عندما أقدم على وصف وتصنيف حزب الله بمنظمة إرهابية، وفكك الرابطة التاريخية في الخليج بافتعال الأزمة مع قطر، والتي أفضت لاستحضار تركيا لعمق الدار الخليجية، واستعدى إيران بخطاب طائفي سيكتوي بتداعياته، ومن قبل أعلن الحرب بالوكالة على سوريا، ولم يكتف بذلك بل غلب الذهاب لإسرائيل على ما سواها من خيارات كان يمكن البناء عليها من اجل تفعيل دور إقليمي سعودي فاعل، واختتم الدب السعودي التحطيم عندما حجم دور المؤسسة الدينية واستحدث مظاهر ليبرالية بدت كالقفز في لعبة شطرنج ، ثم استدار للعائلة أخر الحصون واعتقل مجموعة أمراء بدعوى مكافحة الفساد، وكأن مكافحة الفساد تتطلب هدم المعبد!.

بحث السعودية عن دور إقليمي مفهوم، لكن غير المفهوم هو ماذا تريد السعودية بعد أن تجد  لها دور إقليمي، إن متطلبات مواجهة النفوذ الإيراني كأحد مداخل تفعيل الدور الإقليمي للسعودية لا يحتاج لاستعداء لبنان حكومة وشعب ومقاومة، والبحث السعودي عن دور إقليمي فاعل ومؤثر يجب ألا يمر عبر البوابة الإسرائيلية إطلاقا، خاصة وان هناك حالة من العزلة ما بين السعودية والشعوب العربية تشكلت هذه العزلة لأسباب سياسية رسمية منذ ستينات القرن الماضي وعندما تلاشت الفوارق بين المملكة والجمهوريات العربية لم تتلاشى العزلة ولا زالت هناك نظرة شعبية عربية ترى أن السعودية تنظر بفوقية لشعوب المنطقة، والآن عندما أرادت السعودية البحث عن دور تمر إلى ذلك عبر مزيد من استعداء الشعوب في موقفها من الثورات العربية أولا وفي موقفها من المقاومة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية وفي موقفها من واشنطن وفي موقفها من إسرائيل،إن هذه المسلكيات والإصرار عليها تقلل من حظوظ الدور الإقليمي السعودي وتعيقه ، خاصة وان الدور الإقليمي بحاجة لبيئة حاضنة بيئة صلبة بيئة تتوافق مع محددات الدور الإقليمي وأهدافه وأدواته وهو ما لم تدركه السعودية حتى اللحظة.

مراقبة السلوك الخارجي السعودي في البحث عن دور إقليمي بدت فيه السعودية فاقدة للخيارات وبدت تنتقل من مأزق لمأزق آخر بدت الخسائر تتسع عموديا وأفقيا حتى الحلفاء لم يعد بمقدورهم الذهاب بعيدا خلف السعودية، لقد بدا بحث السعودية عن دور إقليمي مكلف جدا وباتت التكلفة ترتفع طرديا حتى باتت تكلفة البحث عن لعب دور إقليمي اكبر من الدور الإقليمي نفسه، وأهم الملاحظات أن السعودية عندما تنتهي مما تراه استحقاقات ضرورية للعب دور إقليمي ستجد نفسها قد استعدت الإقليم كله.

إن من تتحالف معهم السعودية وتستقوي بهم وتأخذهم كمدخل للدخول للدور الإقليمي هم في الأصل أعداء أصليون للإقليم واصطفافها معهم سيضعها في صف الأعداء وسيفضي لسحب أي مقومات وأية فرص لإمكانية لعب دور إقليمي لا على المستوى السياسي الرسمي ولكن على المستوى الشعبي العربي أيضا وربما ترتفع التكلفة أيضا على المستوى الداخلي الخليجي الذي بات يعقد مؤتمرات علنية لمواجهة التطبيع، وقد يتطور الأمر لمستوى داخلي أخر في السعودية نفسها عندما يشعر المواطن السعودي بان لعب دور إقليمي سيكون على حسابه ومن وحاسب ثوابت سعودية أصيلة، لا يمكن للاقتراب من إسرائيل أن يؤمن لأية طرف أو أية قوة لعب دور إقليمي، بقدر ما سيعني هذا الاقتراب معادة كل شعوب الأرض وليس الشعوب العربية فقط وأظن دولة كالسعودية لا ينقصها هذا العداء لا سيما الآن.

تسعى السعودية للذهاب صوب الدور الإقليمي عبر البوابة الإسرائيلية وهذا لم يعد سرا خافيا،وهو ذهاب اكبر من الخطأ وأعمق من الخطيئة هذا هدم للمعبد، وتبعات الذهاب إلى إسرائيل كالجري في حقل ألغام ،المفارقة أن السعودية لم تكتفي بالمرور عبر تل أبيب لتحقق فاعلية الدور الإقليمي المزعوم لكنها استعدت وعادت في الطريق حزب الله وتلوح بفرض الوصاية على المقاومة الفلسطينية وكأن الاستقواء بإسرائيل بحاجة لمعادة أعدائها.

لن تقبل إسرائيل أن تلعب السعودية دور إقليمي تتجاوز مخرجاته المصالح الإسرائيلية إطلاقا وبالتالي حتى إذا ما تحقق للسعودية أن تلعب دور إقليمي فهو دور يخدم إسرائيل اكبر مما يخدم السعودية. هذه الخدمة أو هذه الفرضية ستكون كفيلة بذهاب القوى الإقليمية التقليدية الفاعلة وعلى رأسها إيران بعيدا في قلب الطاولة.

إن استعداء حزب الله لا يعن أن الدور الإقليمي السعودي قد بات مستريحا بقدر ما يعني العبث بحقل ألغام لا يعلم احد موعد انفجاره، في طريق بحث السعودية عن دور إقليمي خسرت لبنان واليمن والعراق واستعدت سوريا وإيران وتركيا وقطر، وفي المقابل تتقدم هذه القوى على حساب الدور السعودي الذي لم يعد قادرا على تحديد ماذا يريد من معاداة كل هؤلاء، وماذا يريد من الذهاب إلى إسرائيل والاستقواء بواشنطن وهو الذهاب الذي يزيد من الأعداء ويقلل من مساحات الحركة الأمر الذي يعني انعدام الرؤية أولا واستحالة تحقيق دور إقليمي فاعل ثانيا.