يبدو أنّ بعض الدراسات القانونية والاجتماعية والنفسية، والتي تعيد النسبة الأعلى من الأزمات الأُسرية إلى المشاكل السريرية، تنطبق على الواقع الفلسطيني بحذافيرها، حيث تعتبر تلك الدراسات أنّ الخجل الاجتماعي الناتج عن الأعراف والتقاليد، تحول دون التصريح بالأسباب الحقيقية للمشاكل، فتلجأ الأطراف لافتعال مشاكل جانبية حتى وإن كانت عن غير قصد، حيث تكون هذه المشاكل قابلة للتصريح العلني دون المساس بالتابو الاجتماعي والعرفي، وهذا عادةً ما يفسر تجدد المشاكل واستمرارها، لأنّ المجتمع يحاول حل أعراض المشكلة الرئيسية لا المشكلة ذاتها، فحين تكون المشكلة الحقيقية سريرية ويتم تصديرها للمجتمع على أنّها مشكلة علاقة الزوجة مثلاً بأهل زوجها، يتم حل  مشكلة هذه العلاقة، ولكنها سرعان ما تتجدد على شكل علاقة الزوجة بأولادها أو بمطبخها، أو علاقة الزوج بأهل زوجته أو بمصاريف بيته، وفي هذه الأجواء تُخلق الدوائر المفرغة والدروب المسدودة، وهذا بالضبط هو الواقع الفصائلي الذي تحياه المصالحة الفلسطينية، فالجميع يحاول الهروب من الأزمة الحقيقية والفعلية، وذلك باللجوء لتضخيم مشاكل جانبية كالموظفين والكهرباء والمعابر.

فالمشكلة الرئيسية هي السلاح، والسلاح  هنا لا يعني العتاد فقط، بل يشمل الرغبة في المقاومة أيضاً وليس القدرة عليها فقط، حيث من المعيب بعد أكثر من عقدين على اتفاق أوسلو، وما ترتب عليه من سلوكيات السلطة الفلسطينية، أن نبقى على اعتقادٍ ولو بنسبة الاعتقاد بوجود "أبو رجل مسلوخة"، أنّ هذه السلطة تناور مع الاحتلال للتملص من التزامها بالقضاء التام على كل رغبةٍ بحمل حتى ولو سكين، فيجب أن نعترف جميعاً كما يجب أن نعرف جميعاً أنّ الصراع يدور بشكله السلطوي على مكاسب ومغانم ومنافع مرتبطة عضوياً بوجود الاحتلال، وهذه المغانم تتطلب التخلص من السلاح بكل مشتقاته الحديدية والنفسية والفكرية، فغزة بالنسبة للمنتفعين منن وجود الاحتلال هي مجرد سوق، وليس كما قال عزام الأحمد طائرة مخطوفة، والاستفادة من هذا السوق تتعارض كلياً مع فكرة وجود السلاح، وما نراه اليوم وحتى نكون منصفين على قاعدة"لا يجرمنكم شنآن قومٍ ألّا تعدلوا"، فإن حركة حماس حتى هذه اللحظة أدّت قسطها مما يسمى بالمصالحة بنسبةٍ عالية، من حل اللجنة الإدارية وتسليم المعابر والوزارات، في الوقت الذي استنكفت السلطة عن ذلك بنسبةٍ أعلى.

فالسلطة الفلسطينية بما رتبت على نفسها من التزامات عبر أوسلو الكارثة، لا تستطيع السير بتوافقٍ وطنيٍ مهما بدا متنازلاً عن ثوابت فلسطينية، يلحظ ولو على سبيل الاستبطان فكرة المقاومة بالسلاح والكفاح المسلح، فهو يتنافى مع التزام التنسيق الأمني المقدس كما اعتبره أبو مازن، ويضعها في دائرة التصنيف الأمريكي للإرهاب، وهو ما يتنافى مع مشاريعها السلطوية الاستثمارية النفعية، لذلك فإنّ الحدود الدنيا مما يسمى بالتوافق الوطني تصبح سقفاً صعب المنال، ويبدو أنّ التوتر الناري يوم الخميس الفائت على حدود قطاع غزة، كان إدراكاً من الفصائل مجتمعةً لهذه الحقيقة، فأرادت القول أنّ خياراتها لا تزال مفتوحة، وأنّ قلب الطاولة أمر في متناول اليد، وهو ما تظن أنّه سيستجلب ضغطاً مصرياً على السلطة الفلسطينية من جانب، وغض نظرٍ"إسرائيلي" من جانبٍ آخر لرفع الضغط عن السلطة لتمرير المصالحة، ولكن يبدو أنّ الرسالة وصلت إلى مكانٍ آخر، حيث أعلن مسؤول أمريكي عن نية ترامب إعلان الاعتراف بالقدس كعاصمة لـ "دولة" الإحتلال، وهو ما اعتبره صائب عريقات دليلاً على أنّ الولايات المتحدة جزء من المشكلة وليس من الحل إذا ماتم، فبعد سبعين عاماً على قيام الكيان الصهيوني تريد السلطة أدلة على موقف الولايات المتحدة، فهذا التلويح الأمريكي سيصلح في مكانٍ ما للتهويل على الفصائل بالصمت لتفويت اقتناص الفرصة على "إسرائيل"، ثم يتم تقديم تراجع ترامب نجاحاً للدبلوماسية الفلسطينية التفريطية.

لا يجادل أحد بأنّ هناك حلف أمريكي "إسرائيلي" سعودي قائم وفاعل، كما لا يجادل أحد بأنّه خسر معركته الرئيسية في سوريا والعراق ولبنان وقريباً في اليمن، ولا يجادل أحد بأنّ هذا المشروع كان يستهدف تأبيد وجود "إسرائيل" عبر تقسيم المقسم، كما لا يجادل أحد بأنّ هذا الحلف يمتلك من الحماقة ما يمنعه من الاعتراف بالهزيمة، لذلك يصبح الضغط على الحلقة الأضعف هو سبيل تحقيق هدف التأبيد، وهو الفلسطيني الذي تُعتبر قيادته المعترف بها دولياً وللمفارقة جزءً من ذلك الحلف بشكلٍ أو بآخر، وحين يقول عزام الأحمد" أنّه لم يتم تبليغنا بشكلٍ رسمي عن أيٍ من بنود صفقة القرن، وأنا أعني ما أقول، لم يتم تبليغنا رسمياً"، فهو يقصد لم يتم إرسال رسالة مكتوبة من البيت الأبيض للرئاسة الفلسطينية برقمٍ وتاريخ، ولكن التداول في تلك البنود جارٍ وقائم وقابل للأخذ والرد، إذاً نستطيع الاستنتاج أنّ ما اصطلح عليه بالتمكين، يعني تمكين السلطة من المضي في عقد صفقةٍ عاجلة دون قدرةٍ للسلاح على عرقلتها، وبالإمكان إسقاط تصريحات جون كيري أو اعترافاته بالأحرى على منطق السلطة الفلسطينية، حين قال طلب منا نتن ياهو والملك السعودي عبد الله ومبارك ضرب إيران، وقلت لمبارك وحين نقوم بذلك أنت أول من سيخرج على الإعلام معترضاً، والسلطة اعترضت على كل الحروب "الإسرائيلية" على غزة، وستعترض لاحقاً.