رغم طوفان التحذيرات الهادر على المستوى الرسمي والفصائلي الفسطيني والعربي وحتى الغربي، من نقل السفارة الأمريكية من" تل أبيب" إلى مدينة القدس المحتلة والاعتراف بها كعاصمة لـ(إسرائيل) وهي الخطوة التي تراجع عنها العديد من رؤساء الولايات المتحدة على مدى أربعة عقود، إلا أن الادارة الأمريكية ماضية في تنفيذ قرار النقل دون النظر لكل بيانات الشجب والاستنكار المستنسخة والتهديدات المكررة.


وقال نبيل شعث مستشار الرئيس للشؤون الخارجية، إن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس أو الاعتراف بالقدس عاصمة لـ(إسرائيل) سيدمر دور واشنطن في أي وساطة وإننا كفلسطينيين نعد العدة للأسوأ وأن كل البدائل مقترحة".


في المقابل، دعت الفصائل الفلسطينية اليوم الرئيس عباس، ومنظمة التحرير الفلسطينية لسحب الاعتراف بدولة "إسرائيل"، والإعلان عن انتهاء اتفاق أوسلو مع الاحتلال، وفي ذلك يرى مراقبون أن تلك الدعوات غير واقعية ولا يمكن للسلطة أن تندفع بهذا الاتجاه لأنها تدرك أن العواقب ستكون "وخيمة".


الكاتب والمحلل السياسي ابراهيم أبراش يرى أن خطوة نقل السفارة ليست مفاجئة وكانت متوقعة، وقال: "الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان واضحا منذ البداية عندما قال إن قرار نقل السفارة مسألة وقت فقط، والخلل عند مَن استمروا في المراهنة على واشنطن كشريك للسلام أو وسيط نزيه ووضعوا كل بيضهم في سلة الحل الأمريكي منذ مؤتمر مدريد حتى ما تسمى الصفقة الكبرى، دون البحث عن خيارات بديلة بالرغم من خطورة هذه الخطوة الأمريكية إلا أن الفلسطينيين والعرب والمسلمين تأخروا في التحرك، وتحرك اللحظات الأخيرة لن يردع ترامب ويثنيه عما اعتزمه".


وتابع أبراش قوله: "قرار نقل السفارة اتخذه الكونجرس الأمريكي منذ عام 1995 ولم نسمع أو نشاهد تحركات عربية وإسلامية للتأثير في المجتمع الأمريكي حتى يتم التراجع عن هذا القرار ، كما أن ترامب أعلن عن نيته نقل السفارة أثناء حملته الانتخابية وكرره أكثر من مرة لاحقا وبدلا من اتخاذ مواقف وإجراءات ضد إدارته لثنيه عن عزمه بهذا الشأن عززت الأنظمة العربية علاقاتها مع إدارته ودخلت معها في تحالفات عسكرية وأمنية وعقدت معه صفقات بمئات مليارات الدولارات".


وأضاف "هذا القرار سيضع الفلسطينيين والعرب والعالم أمام الأمر الواقع وخصوصا في تعاملهم مع أي مشروع تسوية جديد سواء في إطار ما تسمى الصفقة الكبرى أو غيرها، وفي ظني أن ترامب ومعه أطراف عربية يسعون لتفكيك الملفات العالقة وهي القدس واللاجئين وجغرافيا الدولة الفلسطينية، و ترامب يمهد الطريق بالنسبة للقدس، ودول عربية تمهد الطريق لحل مشكلة اللاجئين من خلال وقف تمويل الأونروا وتوطين اللاجئين في أماكن تواجدهم".


وأشار إلى أن هناك تلاعب في جغرافيا الدولة الفلسطينية الموعودة من خلال الحديث عن توسيع غزة باتجاه سيناء وتبادل أراضي، مع ما يرافق ذلك من ضغوط مالية كالقرار الذي اتخذه الكونجرس بوقف تمويل السلطة في نفس يوم إعلان ترامب نقل السفارة يقابله ويتناغم معه إغراءات مالية سعودية وإماراتية في حالة قبول الرئيس أبو مازن بالرؤية الأمريكية، مع تهديد مبطن بتغيير القيادة الفلسطينية إن لم تتجاوب مع كل ذلك".


وبشأن مدى جدوى ردة الفعل الفلسطينية قال أبراش "إذا اقتصرت ردة الفعل الفلسطينية على التنديد والشجب وثلاثة أيام غضب فهذه أمور يمكن أن تستوعبها وتحتويها إسرائيل والإدارة الأمريكية، وهي ردة فعل لن تشجع دول وشعوب العالم بردة فعل أكبر مما فعله الفلسطينيون . المطلوب اليوم للرد على توجهات ترامب وعلى مؤامرة الصفقة الكبرى لتصفية القضية الفلسطينية أن تتخذ القيادة الفلسطينية قرارات حاسمة ، كإعادة النظر في اعتراف منظمة التحرير بإسرائيل وإلغاء ما على السلطة من التزامات بمقتضى اتفاقية أوسلو وخصوصا التنسيق الأمني ،والعودة لمنظمة التحرير كحركة تحرر وطني ،والتوجه للأمم المتحدة للمطالبة بالاعتراف الكامل بالدولة الفلسطينية أو أن تستلم الأمم المتحدة المسؤولية عن فلسطين وشعبها ، وتفعيل حراك أو مقاومة شعبية عقلانية يشارك فيها الكل الفلسطيني".


وأشار إلى أن الإدارة الأمريكية كانت تطلب من الدول الغربية عدم الاعتراف بالدولة الفلسطينية وتستعمل حق الفيتو في مجلس الأمن ضد أي قرار بهذا الشأن بحجة أن أي إجراء من طرف واحد سيؤثر على عملية التسوية السياسية .


اتفق أستاذ العلوم السياسية حسن نافعة مع سابقه، وقال "إن التكهن بالخطوات القادمة للرئيس الأميركي صعب للغاية"، مضيفًا: "كل شيء متوقع" في سياسة ترامب وشخصيته الهوائية والانفعالية، محذرًا من سياساته التي تسعى إلى تحدي الأفكار التقليدية.


ورجح نافعة أن يكون الحديث الأميركي في الوقت الراهن حول صياغة القرار عبر اضافة بعض العبارات التي تعطي الفلسطينيين بصيصا من الأمل في حال استئناف عملية السلام، لكنه لم يستبعد أيضا احتمال تراجع ترامب عن قراره في اللحظات الأخيرة.
ويرى نافعة أن الموقف الأمريكي لا يكترث كثيرًا بردود فعل الحكومات العربية والإسلامية تجاه القرار، وأن المؤسسات الأمريكية تعتقد أن الوقت مناسب في ظل انشغال الشعوب العربية بصراعاتها الداخلية ومتاعبها الاقتصادية.


ومع ترقب الدوائر السياسية الرسمية العربية والغربية، قبيل خطاب ترامب، المنتظر اليوم، أصبح الاحتمال القائم، أن يتراجع ترامب ويؤجل قرارالاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة لدولة الاحتلال، والاحتمال القائم ليس مجرد توقعات، ولكنه تحليل منطقي.
والاحتمال القائم بـ "تراجع" ترامب، وتأجيل قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال يدعمه بيان البيت الأبيض، مساء أمس الأول: (إن إعلان القدس عاصمة لإسرائيل "مسألة وقت"، والسؤال ليس هل سننقل السفارة إلى العاصمة، وإنما متى)، وفي صياغة البيان إشارة واضحة لتأجيل القرار.


ويرى خبراء في الشأن الدولي، أن الرئيس الأمريكي، لن يصدر قرارا مرتقبا بالاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل، وعلى الأقل سوف يلجأ للتأجيل، ولديه المبررات، وأن الإعلان المبكر عن "قرار مرتقب" للرئيس ترامب، مجرد "بالون اختبار" يستهدف ابتزاز الفلسطينيين والضغط علي السلطة الفلسطينية، بدليل أن الرؤية الأمريكية المطروحة لإحياء عملية السلام لا تعتمد علي منح القدس لإسرائيل وإنما تبحث عن حل شامل لها في إطار طرح خاص يضمن عدم استئثار أي طرف بها.


فضلاً عن، فأن الإدارة الأمريكية ليست بحاجة إلي الإعلان المسبق عن قرارات سوف تتخذها مستقبلا في حال جديتها عن اتخاذ هذه القرار، وهو ما يعزز مسألة تفسير الإعلان عن تلك النوايا فقط لابتزاز العرب والفلسطينيين والضغط عليهم ليس أكثر للقبول بما يسمي صفقة القرن.