في كتابه الذي وثق مرحلة من أهم مراحل التاريخ العربي "ملفات السويس" أورد الكاتب الكبير المرحوم محمد حسنين هيكل حوار أحد طرفيه الرئيس الأميركي هاري ترومان الذي اعترف بإسرائيل وقال "لم أبكِ يوم ضُربَت هيروشيما بل بكيت يوم أقيمت اسرائيل" والطرف الآخر أحد مستشاريه الذي حذره من الافراط في دعم اسرائيل "لأن ذلك يغضب العرب" كما قال المستشار.

رد الرئيس ترومان الذي كان يتحضر لانتخابات عام 48 قائلاً "ليس هناك أي مكسب في دعم العرب ولكن هناك مكاسب من دعم اسرائيل" هذه هي المعادلة التي لخصت العلاقة الأميركية بالعرب منذ سبعة عقود وقبل أن تكون الولايات المتحدة الأميركية الراعي الأول لإسرائيل ففي تلك الفترة كانت فرنسا حليفها الأول ولكن أميركا كانت تجري حساباتها بهدوء وهي تتحضر لوراثة الإمبراطوريات في الشرق الأوسط بعد نهاية الحرب العالمية وكانت تعرف أيضاً أن معاقبة العرب لا يشكل خسارة للولايات المتحدة ولا لمستقبل أي سياسي أميركي.

هكذا هو الأمر وتلك هي قواعد السياسة أحد أطرافها أمة عربية مشغولة بحسابات صغيرة وصراعات صغيرة جداً فيما يجري خصومها وأعدائها حساباتهم للانقضاض عليها وعلى مواردها بكل ما يملكون من امكانيات فكرية ومادية وما جرى أمس لا يجب أن يفاجئ أي سياسي أو مثقف عربي يراقب الحالة الفلسطينية أو الحالة العربية اللتان لم تعودا تشكلان أي عنصر ضغط على القرار الدولي ولا مصدر تهديد لمصالح أي من الدول وخاصة الولايات المتحدة وفي لحظة سوداء تحولت بعض ممكنات القوة العربية إلى عنصر ضغط على الفلسطيني البائس، كانت تجاعيد وجه الرئيس أبو مازن تشي بها في خطابه بالأمس.

المخرجات هي وليدة المدخلات وابنتها الشرعية تماماً وغير ذلك هو مجرد خرافات لا تنطبق مع علم السياسة ففي الأساطير فقط يأتي البطل المخلص تلده الريح أو المطر أما في الواقع فظروفه تتبع وقائعها وبالنظر للحالتين الفلسطينية والعربية اللتان تسابقتا في الانحدار منذ سنوات كان لابد وأن يأتي هذا الاستخفاف الأميركي والغطرسة الإسرائيلية التي تترجم نفسها صباح مساء.

الفلسطينيون مشغولون منذ سنوات بصراعاً داخلياً تحول إلى أولوية الأولويات وأصبح القضية الرئيسية التي استنزفت جهودهم الادارية والسياسية والاعلامية وبات المشهد الفلسطيني سمته الرئيسية مجموعة من جوعى السلطة يتقاتلون ويتآمرون ضد بعضهم كأحزاب وأفراد وباتت القضايا الحزبية والشخصية أولوية لدى القوى والأحزاب الفلسطينية والأشخاص فيما انزوى العمل الجماعي والتفكير الجمعي بالمشروع الوطني.

وفي منتصف هذا الصراع تآكلت المؤسسات الفلسطينية الحاضن الرئيسي للمشروع الوطني كمنظمة التحرير الفلسطينية التي بدت على درجة من الوهن وقلة الحيلة وكذلك السلطة الوطنية التي تجمدت بعد انتخابات 2006 ولم يعد برنامجاً لدى الفلسطينيين سوى برنامج انهاء الانقسام الذي أشغلهم لأكثر من عقد يجوبون العواصم ويوقعون اتفاقيات ويتقاتلون بينما اسرائيل تمكنت من تجسيد الوقائع الأهم في السنوات العشر الماضية لتنهي عملياً بالجرافات والمستوطنات أي أفق لحل الدولتين.

وعلى الجانب الآخر كانت المأساة العربية أكثر ايلاماً من التراجيديا الفلسطينية فقد غرقت تلك المأساة في صراعاً هو الأكثر دموية في التاريخ العربي في سنواتها الست الأخيرة منذ أن تجندت بعض الدول العربية للإطاحة بأنظمة فيما عرف بالربيع العربي والذي نشهد نهايته التي دمرت عواصم عربية هامة وسلمتنا دولاً عربية محطمة عاجزة عن الوقوف على قدميها حتى تتمكن من المواجهة وفي خضم صراعات العرب جرى الصراع الرئيسي بين سني وشيعي بدل الصراع العربي الإسرائيلي لنشهد تقارباً بين اسرائيل ودول عربية.

تمكنت أصابع إسرائيل من اللعب في الإقليم خلال السنوات الماضية لزيادة إرباك المشهد الحاصل فمنذ البدايات استنفرت مراكز دراساتها ليسقط كل هذا الخراب العربي نجاحاً في حجرها، وقد حصل تحطمت دول معادية لها ،الحالة العربية انحدرت بشكل هائل انتجت حالة عجز لا مثيل لها، تراجعت القضية الفلسطينية في إقليم اهتزت أرضه وانتهى هذا الربيع بإعلان القدس عاصمة لإسرائيل ليس غريباً هذا فالنتائج هي وليدة المقدمات هذا هو الواقع، المهم الآن كيف يمكن تغييره؟

البداية من هنا من فلسطين قراراً شجاعاً بإنهاء هذه الخلافات التي عصفت بنا وإعادة بناء النظام السياسي على أسس جديدة فقد أسدل ترامب الستار على دور الولايات المتحدة وقد يشكل هذا بداية مختلفة، الفلسطينيون يمرون بمرحلة عصيبة وخطر حقيقي وعندما تتعرض الأمم للأخطار فإنها تتوحد.

ردود الفعل العربية على قرار ترامب باهتة يبدو أن الرئيس ترومان كان محقاً منذ البدايات...!!!

خاص نبـأ برس|| نسمح بإعادة النشر شرط ذكر المصدر.. يُحظر القيام بأي تعديل، تحوير أو تغيير في النص

[email protected]