يرتفع الصوت الفلسطيني ضد الولايات المتحدة الأميركية أكثر ويرفع الرئيس أبو مازن سقف التصريحات ليتضح أن هناك صراعاً مع واشنطن التي قفزت دفعة واحدة في المركب الاسرائيلي وبلا أخلاق وبلا حسابات للسياسة والقانون الدولي ومصالح الولايات المتحدة حتى وواضح أن الهوة تتسع وأن الطرف الفلسطيني لم يعد يقبل بها وسيطاً لعملية التسوية فهي أقصت نفسها بنفسها.

إذن نحن أمام خيارين لا ثالث لهما إما أن تعود الولايات المتحدة بسقف متدني باعتبارها الوسيط الوحيد المقبول على الطرف الاسرائيلي هذا شرط لأية وساطة أن يقبلها الطرفان وما يقوله المسئولون الفلسطينيون من بحث عن وسيط آخر هو مجرد تصريحات لا تنسجم مع حقيقة قبول الوسيط من الأطراف ولا مع حقيقة تواجد الاتحاد الأوروبي وروسيا في اللجنة الرباعية وكل الوسطاء موجودين ولكن الولايات المتحدة تلعب دور الوسيط الرئيسي لأسباب كثيرة، أما الخيار الثاني وهو عدم قبول الوساطة الأميركية ما يعني أن يدخل الصراع في حالة من الفراغ السياسي بلا مفاوضات ولا محاولات تسوية وتستمر اسرائيل في عربدتها مدعومة من الولايات المتحدة على سبيل الانتقام.

لذا فان البحث عن برنامج يتجاوز الخيارات السابقة أصبح ضرورة اللحظة التاريخية بأن يأخذ الفلسطينيون زمام المبادرة متكئين على اجماع كوني تشكل لأول مرة على قضية القدس بعد خطاب الرئيس الأميركي والانطلاق به نحو فرض حقائق جديدة تشكل سياسة مبادِرة فهناك لحظة ينبغي استثمارها وعدم الركون بسلبية ميزت السياسة الفلسطينية على امتداد سنوات سابقة كان الوضع فيها يتراجع نحو ما وصلنا اليه.

بعد اعلان ترامب الذي يراد منه وضع الفلسطينين أمام خياري إما مفاوضات مذلة أو الفراغ بدأت الأوساط الفلسطينية تفكر في الخروج وبرسم سياسة فلسطينية جديدة القوى والكتل السياسية الفلسطينية والمثقفين اذ يشهد الحقل السياسي الفلسطيني زخماً ثم استنفاره بعد الخطاب الذي وضع ظهرهم للحائط.
ما جاء في خطاب الرئيس أبو مازن يتشابه بما تداولته وسائل الاعلام قبل يومين من مبادرة قدمها النائب محمد دحلان جاءت بثلاث نقاط تفضي بانهاء الانقسام نهائياً والتحلل التام من أوسلو ومترتباته واعلان فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية دولة تحت الاحتلال ودعوة الأشقاء والاصدقاء للاعتراف رسمياً بدولتنا وعاصمتنا وفقاً لقرار الأمم المتحدة الذي اتخذ قبل خمسة أعوام بالاعتراف بفلسطين دولة غير عضو بالأمم المتحدة.

التحلل من أوسلو أصبح خطاباً جامعاً للكل الفلسطيني بعد ما فعله الرئيس الأميركي وواضح أن النقاش الصاخب في هذه النقطة بالذات أوصلتها الى جدارة فتح الملف ما يوجب ألا يكون ما قاله الرئيس في اسطنبول عندما تحدث "ليس بمقدورنا ابقاء التزاماتنا من جانب واحد" وحديث حركتي حماس والجهاد الاسلامي وما سبق من قرارات اتخذها المجلس المركزي لمنظمة التحرير يقول أن هناك اجماعاً فلسطينياً على الخروج عما تحول الى قيد على استمرار نهوض المشروع الوطني.

وضع فلسطين دولة تحت الاحتلال هل هذا ممكن؟ ان الأمم المتحدة والتي لا تخضع للهيمنة الأميركية والتي وصفها نتنياهو في كتابه" مكان بين الأمم "لأنه تم السيطرة عليها من قبل العرب قابلة للتقدم بمشروع الدولة الكاملة وليس الدولة غير العضو وترسيخ الاعتراف من قبل الأمم المتحدة بالقدس عاصمة بدولة فلسطين المعترف بها يشكل رداً عملياً وليس نظرياً على القرار الأميركي.

اقتراب المواقف الفلسطينية من قضايا المستقبل الفلسطيني هي مسألة مهمة في سياق الاصطدام الحاصل وقد يكون لاعلان ترامب الفج ما يهز الجسد الفلسطيني هزة الافاقة ويدفعه للوحدة وخصوصاً أن جميع ما يرد من قبل النخب السياسية والفكرية متقارب الى درجة كبيرة ما يعني أن هناك تقارباً برنامجياً على درجة كبيرة وهو ما يسهل عملية لملمة الكتل الفلسطينية المبعثرة وان بدأت بحركة فتح والانتقال الى باقي قضايا الانقسام والذي لا يعني انهاؤه بالحكومة وتمكينها بل باعادة تجديد المؤسسات الفلسطينية برمتها.

ليس معقولاً أن يستدعى العالم بمؤسساته وآخرها منظمة المؤتمر الاسلامي أن تستدعي 57 دولة ولا تستدعي مؤسسة فلسطينية واحدة ولا يفترض أن ندعو العالم لتحقيق اجماع فيما أن ليس هناك بيان واحد يعكس حالة الاجماع الفلسطينية تلك ، فقد أشعل ترامب بمغامرته  تلك الضوء الأحمر أمام الفلسطينين ولم يترك لهم خيار سوا الوحدة واحياء المؤسسات والقوة تبدأ من هنا والمعركة ليست سهلة ومواجهتها تتطلب أدوات مختلفة ومؤسسات مختلفة كما طالب وزيرالعدل السابق فريح أبو مدين على صفحته على  الفيسبوك عندما قال "خطاب أبو مازن يحتاج الى أدوات ورجال غير الكرستة الحالية هذا أوان الشر فاشتدي".

المعركة قادمة وموقف الرئيس متماسك والموقف بحاجة الى قوة يتكيء عليها وما هو قادم لا يستطيع خوضها بأقلية في النظام السياسي بعيداً عن القوى والفصائل ورجال الدولة...لم يعد أحد يفهم استمرار هذه الانقسامات طالما أن  الأميركي والاسرائيلي يدفعون بالفلسطينيين جميعهم بلا استثناء نحو  زاوية  واحدة فالشعوب حين  تتعرض للأخطار يكون رد الفعل غريزيا  بالوحدة فما الذي يحدث عندنا ؟

[email protected]