لم يعد الوزراء يأتون إلى غزة وتراجع تدفق حجيج الوفود اليها الذي كان خلال الأسابيع الماضية، وتوقفت عملية التسليم والتسلم وظل معبر رفح مغلقاً كأن شيئاً لم يكن ولم يعد حواراً بين الأطراف الفلسطينية التي تنازعت على أرض غزة لتسلمنا هذا الخراب، لقد فقدت المصالحة قوة اندفاعها الذي أعاد بث الأمل حين استقبلت الناس رئيس الوزراء عندما زار غزة استقبال الأبطال.

الناس هنا في غزة والملدوغين من المحاولات السابقة الفاشلة يتساءلون بقلق وبعد ما تبدى من تعثر المسار منذ مطلع ديسمبر سواء بسبب الانشغال بالقدس بعد اعلان الرئيس الأميركي في السادس من هذا الشهر أو بسبب ما ظهر من مناكفات قبلها أو خلالها ولغز التمكين الذي يختلف أئمة السياسة على نسبه المئوية .

عزام الأحمد مسئول ملف المصالحة المعقدة جداً "يعتبر أن نسبة تمكين الحكومة صفر" وتلك البشارة التي يزفها أخيراً بعد كل هذه الحوارات والاتفاقيات أما رئيس حركة حماس بقطاع غزة يحيى السنوار يقول في اجتماعه مع النشطاء الشباب أن المصالحة تنهار وهكذا عدنا الى نقطة الصفر.

الجديد أن مصادر فلسطينية بعد كل هذه الجهود تنقل خبر أن القاهرة ستعود لاستئناف جهودها لإنقاذ المصالحة وأن هناك اتصالات مصرية فلسطينية لمنعها من الانهيار كما قال قائد حماس بل وتذهب وسائل الإعلام أبعد عندما تنقل بأن "قيادة جهاز المخابرات المصرية أكدت للطرفين أنها ستواصل بذل الجهود وأن مصر تنوي دعوة مسئولين من فتح وحماس الى القاهرة مجدداً".

أرأيتم عبثاً أكثر من هذا؟ كم مرة اجتمعت الفصائل وكم اتفاق تم توقيعه؟ وكم من الابتسامات تم توزيعها؟ وكم من أموال السفر والفنادق تم اهدارها؟ وكم من خديعة تم تسويقها ثم تم اكتشاف كذبتها ؟ وبعد كل هذا الجهد الذي تكرس منذ مطلع أكتوبر يقال لنا الآن أن مصر تبذل جهوداً لمنع انهيارها؟

ما هذا ؟ وما الذي يحدث؟ كل شيء أصبح عصياً على التفسير وأراهن أن هناك في هذا المسلسل شيء يختفي تحت الطاولة يختفي خلف هذا العبث وهذا التلكؤ وهذا الاستهتار بشعب يفتح صدره للرصاص دفاعاً عن القدس عند الحواجز والجدران ويعود لبيت يملؤه الظلام والفقر والحزن والبؤس.

العقل الطفولي الذي يمارس السياسة بثقافة الاقصاء هو المعيق الأساسي لوحدة النظام السياسي، أن يحكم وحده دون غيره ودون شريك هذه الثقافة التي تسيطر على العقل الفلسطيني لدى الفصائل والقوى فحماس عام 2007 استفردت بحكم غزة وأقصت بالنار خصومها وشركاؤها في حكومة الوحدة آنذاك وحركة فتح الآن تريد حكم دون شركاء وهكذا سنستمر في لعبة العبث دون أن نصل الى مرحلة من الوعي بأن الشعب هو الذي يقرر وأن الصندوق الانتخابي هو الذي يحدد طبيعة النظام ويفرض على الأطراف طبيعة الشراكات والتحالفات.

إن طبيعة الحوار القائمة تشي بأن أطراف الحوار لم تبلغ سن الرشد السياسي وهي بحاجة الى تأهيل ودروس خصوصية في ألف باء الحكم والحلول الوسط والديمقراطية واحترام الصندوق واحترام الشعب وهم ليسوا أكثر من خدم للشعب وليسوا سادته وأن الشعب صاحب السلطة وصاحب الصلاحيات وأن هناك نهاية لعقد الانتخابات التي تتم وبعدها إما أن يعود يعرض نفسه من جديد أو يغادر لبيته.

كل تلك الثقافة بعيدة تماماً عن المنشغلين بالسياسة بل ويمارسون السلطة بقوة السلاح والأمن وسطوة المريدين والأتباع المفتونين بالعجز والفشل وهكذا نستمر في حلقتنا المفرغة ندور حول أنفسنا فمنذ سنوات ونحن لا نسمع سوى مصطلحات حوار ، جولة، اتفاق تتكرر بملل شديد والآن دخلت مصطلحات جديدة نخشى أن نغرق بها أيضاً كعادتنا لأن التجربة قالت أن سياسيينا يتعثرون بحصوة صغيرة فما بالنا بمشروع إعادة بناء نظام سياسي؟

حين تتعثر السياسة ويفشل السياسيون يعيدون المسألة للشعب ليتكفل بالمهمة هذا يحصل في اسرائيل وفي الدول الحضارية ولدى الشعوب التي تقلب الطاولة على الرؤوس عندما ينحرف سياسيوها ويتلاعبون بها ولكن لا أحد يفعلها لدينا فالشعب خامل وصامت والساسة لن يعرضوا أنفسهم مرة أخرى بعد كل ما حدث ، هنا الأزمة وطالما أن الشعب يستمر بالصمت عليه أن يسلي نفسه بالأسئلة عن أخبار المصالحة فقط متفرجاً على أحداثها..!!

خاص نبـأ برس|| نسمح بإعادة النشر شرط ذكر المصدر.. يُحظر القيام بأي تعديل، تحوير أو تغيير في النص

[email protected]