أحياناً تلقي الدلائل بنفسها دون عناء البحث في الغرف المغلقة، وأحياناً فقط ما عليك إلا أن تتابع السلوك الطبيعي غير المصطنع بدقة أمام الكاميرات وبعيداً عن الخطابات لترى الحقيقة ناصعة دون أي شيء يغطيها، فطبيعة الاحتلال هي طبيعة عنصرية فوقية مهما حاولت أن تمارس سلوكاً آخر لكنها في لحظة الحقيقة تعود لثقافتها الأصلية كما هي.

الأسبوع الماضي شهد ثلاثة أحداث كل واحدة منها تشكل لوحدها قصة ودليلاً دامغاً على كيفية تعامل الإسرائيلي مع الفلسطيني ونظرته للآخر وهو ما تحاول جاهدة مراكز دراسات البحث فيه سواء عن نظام التعليم الذي يتلقاه الأطفال اليهود أو الكتب التي يتم تدريسها أو المعاهد الدينية التي تستقي ثقافتها من الكتب الدينية.

الحدث الأول هو الاعتراف الذي أدلى به وزير الدفاع السابق ورئيس الأركان السابق وقائد الوحدة الخاصة للأركان "سييرت متكال "موشيه يعلون على التليفزيون الإسرائيلي بأنه أطلق رصاصة من مسدسه على القائد الفلسطيني خليل الوزير بعد أن كان الأخير غارقاً بدمائه، لا يهم هنا كيف تم الدخول لبلد مستقل أو اطلاق النار على رجل ميت المهم أن العسكري الإسرائيلي الأول في يوم ما ، يتفاخر بالقتل بدم بارد ومن كان قائد الجيش الذي حاول ترويج مقولة الجيش الأكثر أخلاقاً في العالم يعدم بلا محاكمة ويغتال كما العصابات.

الحدث الثاني هو صعود عضو الكنيست الإسرائيلي عن حزب الليكود أورن حزان إلى باص أمهات الأسرى الفلسطينيين وهن في طريقهم لزيارة أبنائهن في سجني ريمون ونفحة في صحراء النقب هؤلاء النسوة اللواتي تم تفتيشهن والتأكد من أنهن لا يحملن أي شيء وفي مشهد مثير للاشمئزاز يتهجم عليهن ويتعمد إهانتهن قائلاً لاحداهن أن ابنها "مجرد حشرة" مستغلاً وضعاً هن في أكثر حالاتهن ضعفاً وانسانية لأنها لا تريد أن تصفعه فتفقد زيارة فلذة كبدها لتسمع مرغمة شتيمة بطلها وروحها الذي قطعت كل هذه المسافة من أجل أن تراه.

أما الحدث الثالث وهو ما كتبه الصحفي الإسرائيلي المخضرم "بن كاسبيت" عن الطفلة الفلسطينية عهد التميمي التي كانت تدافع عن عائلتها وصفعت جندياً إسرائيلياً الطفلة عهد اعتقلت ولكن ذلك لم يرض الصحفي الذي يعتبر شيخ الصحافيين في إسرائيل ليطالب بشكل غير مباشر باغتصاب أو قتل عهد لتكون عبرة لغيرها فقد جاء في مقاله الذي نشره في جريدة معاريف الإسرائيلية "من المجدي جباية الثمن منهن في فرصة أخرى، في أماكن مظلمة بعيداً عن الشهود والكاميرات".

هذا الأمر الذي فاجأ صحيفة يسارية مثل هآرتس لترد في افتتاحيتها يوم الأربعاء الماضي متسائلة في مقال لها بعنوان "كيف لم ترتجف يد بن كاسبيت حين كتب ما كتبه "وهل قرأ العبارات بعد أن انهى كتابتها وقبل أن يرسلها للمحرر؟ وهل تردد المحرر حين قرأ العبارة حين تداخلت كلمة فتيات ،والظلام ،ودون شهود ، وكاميرات؟ هل شعر بأن الأمر طبيعي؟ وأسئلة أخرى أوردتها هآرتس تعكس مستوى دونية الكاتب.

الحقيقة أن استغراب الصحيفة مثير للاستغراب وخصوصاً بعد كثير من الدلائل وبينها قاتل الشهيد عبد الفتاح الشريف الذي حظي بتعاطف رئيس الوزراء عندما هاتف والدي الجندي القاتل معرباً عن تضامنه معهم وكذلك وزير الدفاع وتظاهرات من قبل الشارع الإسرائيلي ومطالبات بإطلاق سراحه بعد اعتقاله لستة أشهر بجريمة القتل المتعمد وهذا يعيد للذاكرة قصة الضابط شدمي الذي أعطى تعليمات اطلاق النار في مذبحة كفر قاسم منتصف خمسينيات القرن الماضي ليحاكم بغرامة بلغت قرشاً واحداً ليتحول إلى أشهر قرش في التاريخ "قرش شدمي".

تنكشف حقيقة الأمر هنا في السلوك الصادر عن هذا المستوى من النخبة في إسرائيل وإذا كان هذا هو سلوك النخبة التي تحاول في كل المجتمعات أن تمارس سلوكاً أكثر انضباطاً بعيداً عن الشعبوية الفاضحة فمت بالنا بثقافة المواطن العادي وكيف يتم حشوها وأية ممارسة تنتج عنها.

فهؤلاء يمثلون صفوة المجتمع الأكثر رقياً موشيه يعلون رئيس أركان ووزير دفاع وكاد ينافس بنيامين نتنياهو ولازال مطروحاً كرقم في السياسة الإسرائيلية، وأورن حزان عنصر برلمان إسرائيلي عن الحزب الحاكم منتخب من الجمهور أما الانكشاف الأكبر والذي يمثله بن كاسبيت كواحد من أبرز الكتاب في إسرائيل وأقلهم انفعالاً.

انها الفضيحة التي تتجلى بأبشع صورها والتي حاولت إسرائيل الترويج عن نفسها باعتبارها دولة قانون وحقوق انسان والجيش الأكثر أخلاقية والديمقراطية وسط بحر الدكتاتوريات حاولت علمانية التأسيس التي تحكمت بكل ما فيها القضاء والبرلمان والحكومة والاعلام تصدير صورة معينة لإسرائيل لكن العقود والسنوات الأخيرة التي تنزاح فيها إسرائيل مرتدة نحو أصول دينية توراتية يمكن لمن قرأها أن يعرف المصدر الحقيقي لكل هذا السلوك الذي يعتبر نتاج طبيعي للتكوين وللمصدر الأيديولوجي الذي تعود له إسرائيل.

خاص نبـأ برس|| نسمح بإعادة النشر شرط ذكر المصدر.. يُحظر القيام بأي تعديل، تحوير أو تغيير في النص

[email protected]