بدء من اليوم ستعود الكهرباء بمعدل ست ساعات بعد انقطاع طويل، ليس المهم هنا لعبة العبث المستمرة عمن هو المسئول عن هذا العذاب المستمر والذي تتحمل مسئوليته الأولى حركة حماس منذ قرارها بطرد السلطة من قطاع غزة ثم رغبتها المتأخرة عقد من الزمن لعودتها لكن أزمة الكهرباء التي ازدادت في الأشهر الأخيرة يتم حلها الآن بشكل يدعو للسخرية.

ستدفع شركة الكهرباء ثمن الوقود هذا كل ما في الأمر ويبدو أنها لم تكن تورد ثمنه بعد أن أخذت القضية هذا القدر من الجدل والاتهامات والمعاناة يتم اكتشاف أن الأمر عبارة عن سلعة يمكن شراؤها وهنا النتيجة أن لا الرئيس قطع الكهرباء عن غزة ولا عادت الكهرباء بمكرمة من الرئيس كل ما في الأمر هو عمل تجاري جرت محاولة استثماره حزبياً على جثة المواطن وتلك واحدة من حالات الاستخفاف بالمواطن وحياته.

الجديد هذه المرة هو مظاهرة مخيم جباليا التي تم الدعوة لها مسبقاً بعد أن وصل الأمر بالشباب في هذا المخيم الأكثر كثافة حد الكفر بكل ما هو قائم من تراكيب سياسية وحزبية لم تنتج سوى المعاناة وهذه المظاهرة هي صرخة ألم من هؤلاء الذين لم يعد مجال لكتم أنينهم فبدأت أجهزة أمن حماس في استدعاؤهم ومحاولة الضغط عليهم حتى أن أحدهم كتب بأن الأمن يبلغه بأن المظاهرة لا تحمل ترخيص رغم أن القانون لا يطلب ترخيص للتجمعات بل اشعار للشرطة لتسهيل حركة المرور وتغيير مسارها لشوارع أقل ازدحاماً لكن في وطن اللاقانون كل شيء جائز.

المضحك المبكي أن غزة منذ سنوات لم تشهد مسيرة أو تظاهرة احتجاج معارضة إلا تحت سيطرة الأمن لكن المسيرات المسموحة في غزة ذات لون واحد وحزب واحد وقبيلة واحدة هي فقط من حقها التعبير عن رغبتها ومصالحها ومطالبها أما المواطن العادي فلا يحق له الاحتجاج كما كان لسنوات ماضية أن يتعرض المواطن لكل هذا التنكيل والضياع دون أن يسمح له بالشكوى من هذا الجحيم الذي سحب اليه رغماً عنه والمضحك أن هذه السطوة التي لازالت تمارس في غزة تتم بالتزامن مع التأكيد بتسلم السلطة ادارة غزة وأن حماس لم تعد مسؤولة بما فيها منع التظاهرات .

لا احترام لعقول الناس هنا في غزة وليس فقط معاناتها ولا احترام لعقول من تضررت مصالحهم ولا لعقول السياسيين ولا المحليين ولا شيء سوى أن هذه المنطقة تبدو كأنها فقدت عقلها بالجملة الناس هنا في غزة أصبحت كمن لدغتهم كل أفاعي الأرض، أقول لسائق التاكسي الذي أوصلني لمحطة فضائية ليلة أمس الاسرائيليون يقولون أن الليلة ستكون ساخنة يجيب بغضب "ان شاء الله حرب ونخلص من هالعيشة" وعندما أسئله عن دخله يستفيض شرحاً كيف يتقاسم دخله مع المكتب ومالك السيارة لينهي يوم عمل طويل بخمسة وعشرين شيكل.

في غزة أحدهم يكتب أن رجلاً يعرض أبناؤه للبيع ويعلق ساخراً اشتروهم لأن ثمنهم لا يساوي شيء من طرف موازنات احتفالات الفصائل أو احتفال يوم المرأة وفي غزة توقفت الحياة وأصبحت شوارعها خالية من البشر مساءاً كأنها مدينة مهجورة، في غزة لم يعد بامكان الناس تعليم أبناءها لأن لا رسوم جامعات ولا مواصلات وأحدهم يقول لك أن رجلاً لم يعد يرسل ابنه لروضة الأطفال لأنه لا يملك أجرة الباص.

في احدى البنايات في غزة تقتسم المصعد مع أربعة سيدات ممن طحنهن صراع السلطة بين القوى وشهوتها القاتلة وتكون ملزماً بمتابعة الحوار بينهن لتكتشف أن كل واحدة بينهن تعطي للأخرى عناوين لمؤسسات المساعدات والتسول وأن المبنى اللواتي يقصدنه أحد تلك العناوين فقد توقف الرجال عن الخروج من المنازل بعد انعدام العمل والأمل وتكفلت نساء وحرائر غزة التي يجبن شوارعها وبناياتها بحثاً عن مساعدة فحتى الرجال لم يعودوا يصلحون للتسول لأن لا أحد يصدق أحد لكثرة ما حدث من حالات نصب .

في غزة قوى وفصائل وشعارات ومؤسسات ووزراء حتى.. تصوروا ؟ وفي غزة رجال أعمال واقتصاديين كانوا سادة قوم أطاحت بهم غزة ليجدوا أنفسهم في السجون لأن لا أرصدة في حساباتهم تغطي شيكاتهم لقد كسرت غزة أنف ساكنيها ونزعت كرامتهم وكل شيء هنا أصبح تحت خط الفقر والناس فقدت توازنها النفسي والجميع يتعارك مع الجميع لأن الضغط الذي ولدته الأزمة مدعاة للجنون.

لا أحد يعرف من المسئول عن هذا الوضع وكيفية الخروج منه، يوجهون الاتهام لحماس التي سيطرت على غزة هي المسئولة والسلطة ومنظمة التحرير أيضاً مسئولة باعتبار سكان قطاع غزة من رعاياها والمواطن الساكت هو المسئول الأول فكيف لا يجد قوت يومه ولا يخرج شاهراً سيفه أنها ذروة الجبن والاستسلام ومن يعيش الذل ولا يتمرد فهو لا يستحق الحياة، فلنكف عن توزيع اتهامات على القوى والمشتغلين في السياسة من الهواة الذين أثبتت التجربة عدم أهليتهم لقيادة الشعب ولنأخذ زمام المبادرة وإلا علينا التوقف عن الشكوى ومن حق الأمن هنا حينها أن يجرنا جميعاً كالخراف...!!

خاص نبـأ برس|| نسمح بإعادة النشر شرط ذكر المصدر.. يُحظر القيام بأي تعديل، تحوير أو تغيير في النص

[email protected]