رغم أنّ الصدق يكاد يكون علامة تنحصر بالسيد نصرالله في عالم السياسة، فالراجح أنّه لا يقول إلّا عُشر ما  يعرف، وهذا العُشر كافٍ ليروي عطش أمةٍ استطابت الجفاف وامتهنت العطش جبراً أو اختياراً، والاختيار هو الأرجح حيث أنّها ترفض الارتواء، وتحاول بطرقٍ شتى  أن تجعل من  النهر الفرات بئراً خرِباً، فبعد لقائه الأخير على قناة الميادين عبر برنامج لعبة الأمم، والذي قال فيه السيد نصرالله أنّ الهدف في الحرب الكبرى إذا وقعت سيكون تحرير القدس لا الجليل وحسب، لم يلتفت أؤلئك النواحون على ما يعتبرونها أيقونة المليار ونصف المليار، وأنّ هناك من يجعل من حلم التحرير حياً على الأقل إن لم  يكن ممكناً اليوم، بل تهكموا على راتبه الذي أفصح عنه في ذات اللقاء، وأكثرهم  فطنةً ونخبويةً اعتبرها مساهمة من السيد في تخفيف احتقان الشارع الإيراني، فـ"المقاومة" الإيرانية حسب تصنيف الإعلام  النفطي لبقايا ما يسمى بـ"مجاهدي خلق" وورثة  الشاه، تعتبر الدعم الإيراني لحركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية هي سبب تفاقم الأزمة الاقتصادية، وبالمناسبة فهذا التصنيف-المقاومة- ليس مسبوقاً في ذاك الإعلام إلّا لقوات هادي التابعة للسعودية، فإن كان في فلسطين أو لبنان فهي حركات إرهابية أو ميليشيات إرهابية.

يُقال أنّ التاريخ يُعيد نفسه، ولكني  أؤمن  أنّه أكثر ذكاءً من تكرار نفسه، ولكن  انطباع التكرار يأتي من أؤلئك الذين يسقطون، فالسقوط محكوم بقواعد ثابتة أشبه ما تكون بنواميس الكون وسننه، وبما أنّ المحاور سأل السيد نصرالله عن الزعيم جمال عبد الناصر، وهنا يكرر التاريخ نفسه مع المهزوم لا المنتصر، فكما ينقل سامي شرف في كتابه "سنوات مع عبد الناصر" عن الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون أنه قال" عبد الناصر تدخل بشكلٍ مكروه في دول عربية بحياكة المؤامرات وإعداد الانقلابات وأولع نيران الثورات وغاص عميقاً في اليمن"،"إنّ ناصر يهدد موارد دولته لخدمة مغامراته في الخارج"، "إنّ ناصر بنى دعوته القومية على أساسين، العداء لإسرائيل وعدم الثقة بالغرب، وكلاهما عاملان هدَّامان بدلاً أن يكونا عاملين بناءين"، وإذا رفعنا اسم عبد الناصر من هذه الجٌمل واستبدلناه بإيران، سنكتشف أنّ التاريخ يعيد نفسه فعلاً، ولكن مع المهزومين فقط، فإيران اليوم ليست ناصر الستينات، فالأقدار-والأقدار هنا اختزال لكل  الظروف التاريخية التي أحاطت  برحيل عبد الناصر وما تبعها- ضنّت على ناصر بمن يكمل مشروعه بعكس إيران.

وليس بعيداً عن التاريخ فقد قال يوجين جوستين مدير المخابرات الأمريكية الأسبق، في كتابه"التقدم نحو القوة"، "مشكلتنا مع ناصر أنّه رجلٌ بلا رذيلة ما يجعله من الناحية العملية غير قابل للتجريح، ولا يمكن شراؤه أو رشوته أو تهويشه، نحن نكرهه ككل لكننا لا نستطيع أن نفعل شيئاً تجاهه شيئاً، فهو غير قابل للفساد"، وهذه هي ذات المعضلة التي يزاجهها أعداء السيد نصرالله معه، أنّه  رجلٌ بلا رذائل وغير قابل لا للفساد ولا للإفساد، لذلك كان الكشف عن راتبه صدمةً اعترت الباحثين عن الزلّات، وفي أكثر تجليات الصدمة ما عبّر عنه إعلام النفط، فجريدة عكاظ السعودية مثلاً تنقل عن صحيفةٍ ألمانية أنّ ثروة السيد نصرالله ربع مليار دولار، موزعة على عدة حساباتٍ بنكية خارج لبنان، وهذا الهراء أشد بخساً من ثمن حبر تفنيده ولو بنصف كلمة، هذا الراتب الذي يقارب الحد الأدنى في الوقت الذي رفض فيه السيد نصرالله عرضاً أمريكياً يتضمن مبلغ 2 مليار دولار، بعكس بن سلمان مثلاً الذي اعتقل أبناء عمومته مقابل تحصيل المال، وكما النفط ما انفك يوماً عن تشويه عبد الناصر حياً وميتاً، ولم يجد ما يشين نزاهته ونظافة كفه، لن يتورع عن البحث في الفراغ عما يشين السيد نصرالله، وقد يجد بعد خمسين عاماً من يقول أنّ السيد نصرالله كان يقضي الصيف في يخته على شواطئ الريفيرا، كما وجد عمرو موسى ليقول في مذكراته أنّ عبد الناصر كان يأتي بالطعام ساخناً من سويسرا.

لا أتعمد عادة شرح ما يقول السيد نصرالله، فهو أبلغ وأوضح من الحاجة للشرح والتوضيح، ولكن الحقيقة أنّ هذه المرة وأنا من دأب منذ انتهاء حرب تموز على القول أنّ الحرب القادمة هي الحرب الأخيرة، لم استطع إدراك أو الإجابة عن السؤال الأهم، وهو ما الذي سيحصر المعركة في الجليل وما الذي سيجعلها في القدس، فللمرة الأولى يتحدث السيد نصرالله عن الاستعداد لهذه الحرب الكبرى وأنّ تحرير القدس يعني أنّها الأخيرة، فقد قال "أنّ معركة الجليل موضوع منفصل وهو حساب ثنائي وهو مختلف عن الحرب الكبرى"، كما ميّز السيد بين قواعد الاشتباك والحرب، كما تحدث السيد عن فكرة التدحرج التي لا أحد يمكنه توقع مساراتها، لذلك فإنّ وضع الحرب الكبرى والحساب الثنائي وقواعد الاشتباك وفكرة التدحرج، هو أهم ما يجب وضعه على طاولة البحث الاستراتيجي، للخروج باستشرافٍ لما سيؤول إليه تاريخ المنطقة بمنتصريها، وذلك من خلال الإجابة على الكثير من الأسئلة، أهمها متى يكون الاعتداء على غزة ضمن قواعد الاشتباك أو يصبح جزءً من الحرب الكبرى، وكذلك العدوان على لبنان متى يكون معركة الجليل ومتى يصبح جزءً من معركة القدس، وأيضاً الاعتداء على سوريا وذات السؤال، وهل الإعتداء على إيران سيكون قاعدة اشتباك أم يتحول فجأةً إلى شرارة الحرب الأخيرة، وهل التدحرج يعتمد على السلوك "الإسرائيلي" أم على رؤية محور المقاومة، وفي الوقت الذي نسأل فيه حتماً هناك من يحاول الإجابة في واشنطن و"تل أبيب"، فمهما كانت طبيعة المعركة ضمن قواعد الاشتباك أو في الجليل أو تدحرجت أو على بوابات القدس، فكلها يقيناً ليست في صالح العدو، واليقين أيضاً أنّه يدرس مع ضيق خيارته وضيق صدره كمن يصعَّد في السماء، فـ"إسرائيل" سقطت، ولكن التاريخ يحتاج بذكائه بعض الوقت لإسقاط كل المهزومين والمتخاذلين.