لم يعد للأشياء قيمتها هنا في هذه المنطقة المنسية والشقية من العالم،  لدى الناس لم يعد للحياة نكهتها،  من يسير في شوارعها ويرى الناس الهائمة على وجهها من شدة البؤس يعرف ما الذي يحدث،  ان كل الكلمات مهما كانت بلاغتها وفصاحتها لن تستطيع وصف التراجيديا الممتدة هنا في الحواري والشوارع والأزقة والساحات والأسواق والجامعات والبيوت والبائعين الجائعين مثلهم مثل كل الجوعى هنا.

لم يعد الكلام مجدياً كتبنا كثيراً عن أوجاع الناس عن مآسي تدمي القلب وعن قصص كانت كفيلة أن تحني رؤوس الجبال وليس البشر ألماً وخجلاً،  عاراً سيظل يلف كل من تسبب بهذه الكارثة الصناعية التي تجسدت من صنع البشر الذين قدموا أسوأ ما عندهم في لحظة ضعف الشهوة، شهوة تَسيُّدنا بلا رحمة... كتبنا حين كنا نعتقد أن للمسئولين أجهزة إحساس كما البشر اعتقدنا أنهم يقرأون ويسمعون ويرون ويشمون ويتذوقون ولكن بعد ما وصلنا الى حالة الهذيان كان علينا أن نكتشف أن أدوات الاحساس تعطلت لديهم فلا عين ترى ولا أذن تسمع ولا أنوف تشتم ما نتج عن كل هذه الكوارث ولا ألسنة فقد تقطعت على مذبح الحكم والسلطة.

سكت الكلام لأن لا فائدة مما يقال في حفلة الطرشان القائمة ولأن غريزة البقاء في السلطة أقوى من كل الغرائز ومن كل الكلام ولأن اشباعها أهم كثيراً من اشباع مليوني انسان لم يعد فائدة للكتابة لأن المعاناة فاضت على البحر وبللت الموج بالدموع التي تحجرت في مقل الناس وهي تهذي قائلة ليس هكذا يفعل المسئولون.

أي جنون هذا وأي حكم وأية سلطة يتقاتلون عليها وأي تمكين وأية وزارات وشعارات ومواكب كاذبة وشعارات واهمة ولغة لم تعد تجدي لكثر انكشافها أمام طفل لم يعد يجد كسرة خبز وأب نادم على أولاده وأم فقدت ما تبقى لديها من كرامة وشرف يسدل الستار على مشهد النكبة بهذا القدر من العبث وأية متعة في حكم شعب أعياه الأسى.

كنا سابقاً نرى حالة نكتب عنها، نرى ظاهرة نتوقف أمامها الآن ينفجر هنا كل شيء وينهار كل شيء مثل جبل جليد،  غزة تموت بلا رحمة وأبناء جلدتها يتلذذون على أنين الموت لأنها وقعت فريسة الفشل والجهل، جهل كل من هو في السلطة بلا استثناء هذه المرة لأن الجميع شريك بالجريمة وأولهم من زينت له نفسه أن يأخذها الى حتفها المؤكد قبل أحد عشر عاماً وآخرها من لم يهرع لانقاذها قبل أن تفارق الحياة.

لم نعرف ونحن نذهب للانتخابات أننا سنستدعي جلادينا للقضاء على أحلامنا الوطنية والشخصية،  لنعرف أننا سنستدعي أسوأ ما عندنا ونودعهم أمانتنا ليلقوا بنا في هذا الجحيم وبينما نحن نحترق صارخين من شدة الألم يتحلقون حول طاولة يناقشون ترف التمكين في وطن يهوي بكل ما فيه من عبث فاق الاحتمال من شدة بؤسهم.

سكت الكلام لأن كل ما قيل وكتب ونشر لم يهزهم جميعاً، ولأنهم من عجينة مختلفة عن كل الذين لازالت لديهم بقايا عواطف وأحاسيس، احد عشر عاماً كانت كفيلة بأن تهز الضمير الانساني أمام هول الكارثة،  أحد عشر عاماً لم تجعل مسئولاً واحداً يقدم استقالته وبراءته من دمنا وينزوي بعيداً في بيته، أحد عشر عاماً وهم يقولون كلاماً باهتاً يعكس حجم انفصالهم عن واقع لم يشهد شدته شعب آخر، أحد عشر عاماً كل منهم يريد أن تزيد معاناتنا ليرقص على جراحنا ليسجل انتصاره على الآخر كأننا حجارة شطرنج بلا أرواح.

سكت الكلام لأن الأقلام قد جفت جميعها وتوقف مدادها خجلاً من تكرار الصراخ والبكاء بلا جدوى، سكت الكلام لأنه لم يعد فينا من يرأف بهذا السجن الذي يمتليء بقصص الحزن بلانهاية أحدهم يتسول وجبة لأطفاله تصوروا ؟ وجبة واحدة فقط وآخر يتسول شواكل بسيطة لأن أولاده ليس لديهم أي شيء وآخر يبكي بحزن وغيره يهرب  من مواجهة أولاده وسيدات في الأسواق تمد يدها لم يعدن حرائر ولا نساء افتقدن لكل شيء.

على غزة أن تموت بصوت خافت لأنها ليست بريئة من استدعاء حكامها فهذا النظام السياسي بفصائله الحاكمة والمحكومة هو من صنع أيدينا فنحن من جاء بكل هؤلاء هنا وهناك،  من أخذنا ومن تشفى بنا كلهم ، نحن المسئولون عن استدعائهم فلنحاسب أنفسنا لما فعلناه أولاً وليستمر البشر هنا بالبكاء دون أن يسمعهم أحد،  هذا هو قدر غزة الحزينة واليتيمة بلا أب..!!!

[email protected]