لم تمر سوى دقائق معدودة على إعلان سلطات الاحتلال الليلة الماضية، إغلاق معبر كرم أبو سالم مع قطاع غزة حتى إشعار آخر، حتى حلقت الطائرات الحربية الاسرائيلية بشكل مفاجئ في أجواء قطاع غزة مستهدفةً نفق على الحدود الفلسطينية المصرية ما أدى لتدميره بشكل كامل وقال الاحتلال إنه تابع لحركة حماس.

اللافت في اختيار مكان الاستهداف الذي يمتد في محور ثلاثي ما بين غزة ومصر و(إسرائيل)، أنه يأتي في أعقاب تقارير أمنية اسرائيلية متزايدة عن وجود نشاط ملحوظ لتنظيم "داعش" في سيناء، آخر تلك التقارير أصدرته صحيفة إسرائيل اليوم العبرية، وقالت فيه إن "اسرائيل هي المستفيدة من الحرب التي يشنها تنظيم داعش في سيناء ضد مهربي السلاح لحركة حماس في قطاع غزة".

وأوضحت الصحيفة في التقرير الذي نشرته صباح اليوم الأحد، أن "داعش قررت التعامل مع حماس في غزة من خلال القضاء على تجار الأسلحة، مضيفةً  "إذا واصلت داعش تركيز الاهتمام على مهربي الأسلحة التشغيلية في سيناء الذين يعملون لصالح حماس غزة قد تدخل قريبا محنة الأسلحة التي يمكن أن تؤثر على مغامرة حماس بعمل ضد إسرائيل".

ولا يستبعد مراقبون أن يكون استهداف النفق الذي يقع في منطقة حدودية حساسة تخضع لحسابات كبيرة لدى الأطراف الفلسطينية والمصرية، جاء كثمرة تعاون استخباراتي بين تنظيم "داعش" والأجهزة الأمنية الاسرائيلية، وأن المعلومات التي حصلت عليها (اسرائيل) حملتها رياح سيناء إلى مراكز صنع القرار في "تل أبيب".

يدعم ذلك ما صرح به الخبير الأمني الإسرائيلي يوسي ميلمان أمس بأن التقديرات الإسرائيلية ترجح أن مئات المقاتلين من تنظيم "داعش" باتوا يتجمعون في سيناء عقب التراجعات الأخيرة في العراق وسوريا، وأن المعطيات الرقمية المتوفرة لدى أجهزة الأمن الإسرائيلية، والتي تم نقلها للوزراء، تشير لوصول المئات من المقاتلين من مختلف أنحاء العالم، وباتوا يتخذون من سيناء قاعدة عسكرية مركزية لهم.

ويصل طول النفق المستهدف وفق ما ذكره جيش الاحتلال في  بيانه إلى 1500 متراً، مشيراً إلى أنه دخل الحدود الإسرائيلية أسفل معبر كرم أبو سالم التجاري نحو 180 مترا، وتم حفره داخل الأراضي المصرية بنحو 900 متر، ويتم من خلاله تهريب أسلحة وصواريخ متطورة.

وتواصل إسرائيل توجيه ضرباتها لمقدرات المقاومة، إذ يعتبر نفق الأمس هو الرابع الذي يتم اكتشافه، ما يطرح علامات استفهام حول مدى قدرة الفصائل الفلسطينية على ضبط النفس ومعالجة هذه الخسائر، وهي ترى مقدراتها تدمر أمام ناظريها في وضح النهار، مع رغبتها التي تقاطعت مع رغبة الاحتلال بعدم الذهاب إلى مواجهة عسكرية شاملة.

وفي ذلك، يرى الخبير الأمني ابراهيم حبيب أن قصف النفق مرتبطة بسياسة اسرائيلية متبعة تهدف إلى تدمير أنفاق المقاومة الهجومية بغزة  لتقليل حجم المخاطر التي تواجه الجيش الإسرائيلي على الحدود مع القطاع.

وأوضح حبيب في حديثه لـ "نبأ برس" أن اسرائيل ترى في الانفاق خطراً استراتيجياً وأينما لاحت لها فرصة لتدمير أي نفق فلن تتوانى عن قصفه للحظة مع فارق توقيت الاستهداف لتوظيف عملية الاستهداف واستثمارها محلياً ودولياً.

وبشأن زعم المتحدث باسم جيش الاحتلال، بأن الغارات، استهدفت "نفقًا كبيرًا تابعا لحركة حماس تسلل لداخل إسرائيل"، علق حبيب قائلاً "اسرائيل تحاول أن تروج لإنجاز كبير وهذا أمر لم يتبعه أي رد توضيحي من قبل المقاومة حتى اللحظة ما يضع الرواية الاسرائيلية محل شك".

وفيما يتعلق بإمكانية رد المقاومة على استهداف الأنفاق والتي ازدادت بشكل ملحوظ مؤخراً، قال حبيب إن المقاومة وفي هذه المرحلة الحساسة والخطيرة لا تسعى لجر القطاع لحرب جديدة نظراً لوجود ضعف اقليمي وتخاذل عربي للقضية الفلسطينية وهي لا تريد خوض المعركة لوحدها، إلا في حال تغير المعطيات والوقائع ما سيدفع المقاومة للرد وبقوة حينها.

حجم الترحيب الإسرائيلي بهذا الهجوم بدا واضحاً، ففي أعقاب الاستهداف، إذ أصدر جيش الاحتلال أشرطة فيديو توضيحية للهجوم، وبيانات تحريضية ضد المقاومة، كما أشاد وزير جيش الاحتلال أفيغدور ليبرمان بالقصف، قائلا "لقد نفذنا عملا محترفا ودقيقا".

 كما قال رئيس وزراء حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، قبيل مغادرته إلى الهند ليلة أمس: "يجب أن تفهم حماس أننا لن نسمح باستمرار هذه الهجمات، وسنرد بقوة أكبر"، فيما علق وزير الاستخبارات "الاسرائيلي" يسرائيل كاتس قائلاً :"حماس تعرضت لضربة مؤلمة".

واتفق الكاتب والمحلل في الشأن الفلسطيني حمزة أبوشنب مع سابقه، وقال إن الاحتلال يهدف من وراء استهداف النفق إلى إبعاد سيناريوهات المواجهة مع قطاع غزة.

ويرى أبوشنب أن الاحتلال يتبع سياسة تقليم الأظافر باستهداف مقدرات المقاومة الفلسطينية، كجزء من المعركة بين الحروب، مما يحقق ما يصبو إليه بتأجيل أمد أي مواجهة قادمة في ظل غياب الأهداف الرئيسية، ويعيق تطور قدرات المقاومة القتالية مما لا يحفزها على مباغتته.

وأضاف أبو شنب "ربما ينجح العدو في بعض الأحيان في حرب المعلومة، كما تنجح المقاومة كذلك في نفس المضمار، ويبقى صراع الأدمغة سيد الموقف في حالة الهدوء".

وخلص أبو شنب إلى أن المواجهة الخفية بين المقاومة والعدو الإسرائيلي تبقى جذوة المواجهة دون صدام مباشر، وتسيطر عليه قدرة كل طرف على قراءة نوايا الآخر، إلا أن عنصر المفاجأة قد يغير المعادلة.