في خطاب الرئيس محمود عباس أمام المجلس المركزي الفلسطيني في دورته الثامنة والعشرين المنعقدة في رام الله هذا الأسبوع قال: « نحن سلطة بدون سلطة وتحت احتلال من دون كُلفة» هذه العبارة المقتبسة حرفياً من خطابه المطوّل تعني أن الرجل الذي لعب دوراً مركزياً في إخراج اتفاقية أوسلو للوجود وبناء السلطة الفلسطينية وصياغة السياسة الرسمية الفلسطينية التي أوصلتنا إلى الوضع الحالي يقر بالواقع الموجود السيء ويعترف بالحقيقة القائمة المُرة التي لخصها بأن السلطة بدون سلطة والاحتلال بدون كُلفة، ثم عقّب بقوله: « ولن نقبل أن نبقى كذلك». أي الخروج من هذا الواقع السيء نحو واقع أفضل تكون فيه السلطة بسلطة والاحتلال بُكلفة، والسؤال المهم الموّجه للسيد الرئيس هو كيف يُمكن تحقيق ذلك؟

بالنسبة للسلطة فهي بدون سلطة حقيقية لسببٍ بسيط هو أنها تحت الاحتلال وعلى أرض غير مُحررة بخلاف ما ورد في البرنامج المرحلي لمنظمة التحرير الفلسطينية المُسمّى ببرنامج النقاط العشر الذي أقره المجلس الوطني عام 1974 كما جاء في البند الثاني منه «تُناضل منظمة التحرير بكافة الوسائل وعلى رأسها الكفاح المُسلح لتحرير الأرض الفلسطينية التي يتم تحريرهاوإقامة سلطة الشعب الوطنية المستقلة المقاتلة على كل جزء من الأرض الفلسطينية التي يتم تحريرها» فما تم في اتفاقية أوسلو وتأسيس السلطة يُناقض هذا البند نصاً وروحاً، فالكفاح المُسلح تم وصفه بالإرهاب وإدانته واستبعاده كطريق للتحرير، وسلطة الشعب انتهى بها الأمر أن تُعاقب الشعب أو جزءاً كبيراً منه كُتب عليهم أن يعيشوا في الرُكن البائس من فلسطين في قطاع غزة المُحاصر والمنكوب بالانقسام.

أما صفة الوطنية فلم تُعد كذلك وهي تتخذ التنسيق الأمني نهجاً في علاقتها بالاحتلال وشريكاً له في قمع المقاومة الوطنية التي تسعى للتخلّص من الاحتلال، وبالتأكيد ليست سلطة مُقاتلة وقد تخلّت عن أهم استراتيجيات حركات التحرر الوطنية التي اتخذتها اسلوباً لنضالها قبل أوسلو وهي حرب التحرير الشعبية طويلة الأمد، وأرضها التي من المفترض أن تُمارس سلطتها عليها غير مُحررة لأنها تحت الاحتلال وبالتالي لا يمكن أن تشكل نقطة ارتكاز آمنة لاستكمال عملية التحرير. أما كيف نجعلها سلطة الشعب الوطنية المستقلة المقاتلة على أرض مُحررة بالفعل، فهذا يبدأ بتغيير وظائف السلطة الوطنية الفلسطينية لتكون داعماً حقيقياً لصمود الشعب الفلسطيني فوق أرضه وجزءاً من المشروع الوطني الفلسطيني وبوصلته: التحرير والعودة والحرية والاستقلال.

وبالنسبة للاحتلال فهو بدون كُلفة، ولا يمكن أن يكون بُكلفة طالما أن طالما أن اتفاقية أوسلو تُعفيه من تحمل أعباء السكان الفلسطينيين في الضفة والقطاع وتُبقي سيطرته على الأرض فتحول بذلك إلى احتلال رخيص بدون كلفة. و طالما أنّ أبا مازن يصر على إستراتيجية (المقاومة الشعبية السلمية) التي – رغم أهميتها وضرورتها – لا يمكن أن ترفع كُلفة الاحتلال بحيث تُجبر المُحتل على الرحيل بجيشه ومستوطنيه من الضفة الغربية على الأقل تماشياً مع البرنامج المرحلي للمنظمة دون التنازل عن فلسطين من البحر إلى النهر، فرغم أن المقاومة الشعبية السلمية التي يتمسك بها السيد عباس تستند إلى فلسفة اللاعنف الأخلاقية، أمام كيان قام على العنف وإدامة العنف، وترتكز على إستراتيجية مقاومة نجحت في أماكن أُخرى لا يوجد بها شبيه بالكيان الصهيوني الذي يجمع بين الاحتلال العسكري والاستيطان الإحلالي، ومستوحاة من تجارب شعوب عدوها ليس كعدونا الذي تحكمه فكرة استعمارية عنصرية مرتبطة بمشروع استعماري عالمي وتستغل الدين لتبرير استعلائها وتغطية جرائمها.

وجعل الاحتلال بُكلفة وباهظ الثمن عن طريق المقاومة بكافة أنواعها الشعبية والمسلحة هي السبب الوحيد الذي أخرج الاحتلال من لبنان على مراحل وآخرها عام 2000 تحت ضربات المقاومة المُسلّحة، وأخرج الاحتلال ومشروعه الاستيطاني من قطاع غزة عام 2005 تحت ضغط المقاومة رغم تطوع البعض لاختلاق أسباب أخرى للانسحاب الإسرائيلي من غزة التي كان ارئيل شارون يعتبر مستوطناتها مثل تل أبيب ثم اعترف بأنها عبء أمني واقتصادي على كيانه. وهذا السيناريو يُمكن أن يتكرر في الضفة الغربية بطريقة واحدة هي أن يكون للاحتلال والاستيطان ثمناً باهظاً يستنزف العدو بشرياً ونفسياً ومادياً يجعله يعيش مأزقاً أمنياً ووجودياً يكون فيه أمام خيارين: إما الانسحاب من الضفة والمحافظة على وجود دولة (إسرائيل) في حدود عام 1948- إلى حين – أو الذهاب نحو المجهول بمواجهة المخاطر الأمنية والديموغرافية المُحتملة والمغامرة بمصير ووجود الدولة العبرية.

ختاماً إذا أردنا أن نتخلّص من واقع وجود سلطة بدون سلطة واحتلال بدون كُلفة فلا خيار أمامنا سوى أن نحوّل السلطة إلى سلطة الشعب الوطنية المستقلة المُقاتلة كما جاء في البرنامج المرحلي للمنظمة، أو على الأقل أن نُغّير وظائفها لتنسجم مع مشروع التحرير، وأن نحوّل الاحتلال إلى احتلال تكلفته باهظة الثمن بشرياً ونفسياً ومادياً بإتباع نهج المقاومة الشاملة وفي مقدمتها الكفاح المُسلّح، أو على الأقل ىإنهاء نهج التنسيق الأمني وإطلاق يد المقاومة في الضفة الغربية لتقوم بدورها الوطني الذي يقوم به كل شعب تحت الاحتلال.