ربما لا يكون مبرر عدم  احترام حركتي فتح وحماس لما تم الاتفاق عليه مؤخراً، مقنعاً لكي تنسحب القاهرة من رعاية المصالحة الفلسطينية، إذ أن المخابرات المصرية، كانت تدرك أكثر من غيرها مستوى العقبات التي تعترض انجاز المصالحة التي اعقبت أحد عشر عاماً من العداء والندية بين الحركتين، ومع أن الغموض مازال يحيط بظروف وتداعيات الانكفاء المصري والتراكمات التي أفضت إليه، إلا أن الأبواب لا تزال مواربة لأن تكون الخطوة المصرية تكتيكاً مرحلياً وليس موقفاً ناجزاً.

في سياق الحديث عن التراكمات فإن امتعاض الجانب المصري من طرفي الانقسام، طفى على السطح بما كشفه القيادي في حركة الجهاد الإسلامي خالد البطش في تصريحات صحافية، حين طلب الجانب المصري من  وزير الأوقاف  في حكومة التوافق قبل شهر ونيف  أن يتم اللقاء معه في مقر وزارته، لكن الأخير تلقى اتصالاً من رام الله  طلب منه فيه أن يغلق مكتبه ويتجه للقاء الوفد في فندق المشتل غرب مدينة غزة.

يكمل البطش:"  غضب الوفد وطلب من الوزير اللقاء في مكتبه وأخبرهم الوزير أن لديه تعليمات باستقبالهم في مكان اقامتهم في الفندق، هنا غضب الوفد، بعد ذلك، اخبره رامي الحمد الله انه سيؤجل زيارته لغزة فغادر الوفد فورا القطاع".

لكن قد تبدو هذه المسألة "العاطفية"، ليست مقنعة لأن تتراجع مصر عن الزيارة، أو تنسحب من رعاية ملف حشدت له كل ذلك الزخم الإعلامي،  كذلك قد تدلل الأوضاع الميدانية أن مصر تراجعت خطوات تجاه غزة، بداية من اغلاق معبر رفح البري لفترة طويلة، فضلاً من أنه في بداية الأسبوع الجاري قتلت القناصة المصرية صياداً فلسطينيا – لم يتجاوز الحدود المصرية البحرية-  وقدمت الفصائل الفلسطينية موقفاً حاداً من الحدث، فيما لم يصدر عن الجهات المصرية أي تعليق، إضافة إلى عمد الجيش المصري إلى تدمير سلسة أنفاق تجارية على الحدود عقب مقتل الصياد بيومين.

هذه التطورات الميدانية وفق ما يراه مراقبون،لا تعكس انزعاج القاهرة من الموقف الفلسطيني بقدر ما تثبت فرضية أن هناك سياسة مصرية مغايرة تسير عكس المنحى السابق في التقارب والانفتاح مع غزة،  ولم تدركه الجهات الفلسطينية بعد.

في غمرة الانزعاج والتطورات الميدانية، أفادت صحيفة "الأخبار" اللبنانية، أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قرر إعفاء رئيس جهاز المخابرات العامة اللواء خالد فوزي من منصبه، على أن يُعلَن خليفتُه رسمياً في غضون الأيام المقبلة. وبحسب مصادر مطلعة للصحيفة، فقد أُبلغ فوزي بالإعفاء قبل يومين، فيما تسود حالة من الترقب للاسم المنتظر ترؤسه أحد أهم أجهزة الدولة المصرية.

وتقول الصحيفة، جاء قرار إعفاء فوزي من منصبه لسببين رئيسيين: الأول مرتبط بالملف الفلسطيني، وعودة التعثر في المصالحة بين حركتي فتح وحماس؛ والثاني مرتبط بالإعلام وإخفاقه في توظيف الإمكانات التي أُتيحت إعلامياً والإنفاق الزائد الذي سيجري ترشيده بصورة كبيرة خلال الفترة المقبلة من قبل شركة "إيجل" التي تديرها وزيرة الاستثمار السابقة داليا خورشيد خلال الفترة الحالية، وتعمل على مراجعات مالية موسعة في جميع الأنشطة الإعلامية التي قام بها جهاز المخابرات خلال السنوات الأربع الماضية.

 هنا يعلق المحلل السياسي هاني البسوس بالقول إن: " إعفاء رئيس جهاز المخابرات المصرية العامة اللواء خالد فوزي من منصبه يحمل في طياته تخلي الراعي المصري عن المصالحة الفلسطينية بعد فشلها".

و كان صلاح البردويل وهو عضو المكتب السياسي لحركة حماس، قد كشف أمس الأربعاء، عن انسحاب وتراجع في الدور المصري لرعاية ملف المصالحة الوطنية حالياً.

 الموقف المتقدم هنا، هو أن الراعي للمصالحة 2017  بدأ ينسحب تدريجيا منها، وقد يتطلب الأمر عدة أسابيع لإعلان الجانب المصري فشل المصالحة، ولكن الأزمة الأكثر حدة، هو أن يبقى الانسحاب المصري صامتاً، دون إعلان الطرف المعرقل للمصالحة، فيما سيكون "الكابوس" الذي ينتظر سكان القطاع، هو تسليم طرفي الانقسام بهذا الفشل، والعودة من جديد، ليس إلى نقطة الصفر، لكن .. إلى المجهول.