منذ اللحظة الأولى التي اشتبكت فيها وحدة " اليمام الإسرائيلية" المختصة في تنفيذ عمليات الاغتيال، مع مجموعة من المواطنين في جنين، زعمت حكومة الاحتلال أن هذه المجموعة هي التي قتلت الحاخام قرب نابلس قبل أيام، لم يتوقف الإعلام الفلسطيني بثه المباشر عن الإعلام العبري، ينقل ما يورد من معلومات مغلوطة وخاطئة دون تروي حتى وصل المطاف بكثير من المواطنين بعد سيل المعلومات المشوشة التي نقلها، إلى شن هجمة عبر مواقع التواصل الاجتماعي سميت بـ "إعلام .. نسخ، لصق " .

الاحتمالية التي خضع لها الإعلام الفلسطيني فور الإعلان عن استشهاد أحد أفراد المجموعة المشتبكة مع قوات الاحتلال، في تحديد هويته وضعته في زاوية لا يجب أبداً أن يتواجد فيها، فكان الشهيد مرة " أحمد نصر جرار، نقلاً عن وزارة الصحة في البداية، ثم عّدل إلى أحمد إسماعيل جرار، كما صححت حكومة الاحتلال للصحة الفلسطينية"، كل هذه العجالة الفارغة التي تسابق فيها الإعلام، كان من المفترض أن لا ينجر خلفها أبداً، فالحقيقة وإن طال معرفتها، أفضل بكثير من أن يفقد الإعلام الفلسطيني قيمته .

ولو عدنا قليلاً في متابعة فراسة الإعلام الفلسطيني عقب تنفيذ عملية نابلس الاخيرة، لم ينفك أيضاً الإعلام ذاته عن نشر النبوءات حول تفاصيل العملية و محاولة ازاحة ستار الدخان عن المسؤول عن تنفيذها، بعد أن التقط الإعلام كذبة طرحها موقع "ديبكا" الاستخباري بأن حركة فتح من يقف وراء هذه العملية .

رغم أن الإعلام الفلسطيني يدرك في عمومية سياسته أن التعاطي مع المصادر العبرية خاصة حول العمليات الفدائية يجب أن يكون بحذر شديد، بل يؤمن بهذا الأمر إلى الحد الذي تندفع فيه المؤسسات الإعلامية الفلسطينية إلى المواظبة على إقامة الورشات التثقيفية والتحذيرية، حول خطورة التعاطي والتسلي للإعلام العبري " الفخ المنصوب" كما تسميه المؤسسات الإعلامية الفلسطينية.

ويعتمد الاحتلال على استراتيجية إلقاء " ُطٌعم" للإعلام الفلسطيني أولاً، فبعد أن زعم موقع "تيك ديبكا" الاستخباري الاسرائيلي، بأن عملية اطلاق النار قرب نابلس يقف خلفها تنظيم فتح، حيث وصلت معلومات مسبقة للجيش وأجهزة الأمن عن نية مجموعات مسلحه تابعة لتنظيم فتح بتنفيذ هجوم في شوارع الضفة المحتلة، وكانوا فقط بانتظار الأوامر، وفق تقديرات جيش الاحتلال، عنون الإعلام الفلسطيني أخباره بأن الأشخاص الذين نفذوا العملية، ينتمون لتنظيم فتح . هذه المعلومة التي اوردها موقع ديبكا في البداية، الذي يصنف وفق خبراء في الشأن الإسرائيلي، بأنه مصدر غير رسمي و غير معروف، وأن القائمين عليه مجموعة من الجنرالات متقاعدين بجهاز الاستخبارات في جيش الاحتلال، سلمت بها المواقع الإخبارية الفلسطينية، وأخذت تتداولها وتبني معلومات اخرى عليها دون حتى البحث وراء صدقيتها .

علماً بأن "ديبكاً" خمن هذه المعلومة، بناء على تصريح نائب رئيس حركة فتح محمود العالول بعد إعلان ترامب، عندما قال العالول" إن السلام مع إسرائيل انتهى وكل أشكال المقاومة مشروعة "، وسرعان ما تم تهديده على تصريحاته التي وصفت بالمحرضة على الإرهاب، كما وجددت حكومة الاحتلال تهديده للعالول بعد عملية نابلس .

ويتسائل الكثير من الفلسطينيين، لماذا يتوه الإعلام الفلسطيني أساساً في هذه الأحداث، لماذا يضعنا في حيرة البحث والتخبط، لماذا لا يصمت الإعلام في هذه الحالات. الصمت هنا أفضل من جميع النواحي. ! ويكتفي بنقل الحدث فقط كما وقع . لقد وقع الجميع في المنافسة على "أفضلية السبق"، ولم تكن الفصائل التي سارعت بالنعي والتبني أفضل حالاً، فيما صمت إعلام الاحتلال، وحصد ما استطاع من معلومات ومعالجات وتحليلات، حولها في النهاية إلى معطيات أمنية، استطاع التأسيس والبناء عليها.