"أنتم موظّفي وزارة الخارجية تظنون أنّكم تفهمون السياسة، والواقع أنّكم لا تفهمون فيها شيئاً، لذلك لن أعير أقوالكم أو ملاحظاتكم أيّ اهتمام، أنا رجل أتصرف وفق استراتيجية تعجزون عن إدراكها أو فهمها، لست بحاجة إلى تقاريركم التافهة والخدّاعة"، هذا ما نقله  وزير الخارجية المصري محمد إبراهيم كامل عن الرئيس السادات مخاطباً أحد أعضاء وفده المفاوض في كامب ديفيد وهو نبيل العربي-أمين عام جامعة الدول العربية لاحقاً-.

شخصان على الأقل يتصرفان وفق هذه النرجسية حالياً، الرئيس الفلسطيني محمود عباس والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فالمتابع لخطاب عباس أمام المجلس المركزي، وهو يتمالح كونه مجرد "مواطن" ويضحك من تحت أضراسه ويقدم اقتراحات أو توصيات للمجلس، يدرك أنّه يقصد العكس تماماً، فما على المجتمعين سوى أخذ واجب الضيافة مقابل التوقيع على القرارات التي يراها هو استراتيجية لا يفقهونها، وكما كانت السلطة الفلسطينية مجرد مؤسسة منبثقة عن منظمة التحرير كإجراءٍ مؤقت، وأصبحت فيما بعد منظمة التحرير جزءً مترهلاً من مؤسسات السلطة، فقد أصبحت السلطة مجرد تركة للرئيس عباس، وهنا يصبح الحديث عن انتخابات في أصلها مجرد تذاكٍ ممجوج فضلاً عن الحديث على فائزٍ غير الرجل الملهم والمسدَد.

والشخص الآخر هو الرئيس التركي الذي يمارس السياسة باعتبارها  سباق نحو الشاشات، للحديث عن انتصاراتٍ لا تحدث إلّا داخل رأسه، أو تهديداتٍ لا يعيرها أحد اهتماماً سوى الحاضرين في القاعة، وللأمانة الصحفية قناة الجزيرة والإعلام الإخواني، فلا زلنا نذكر تهديداته النارية المتتالية للحشد الشعبي في العراق قبيل معركة تلعفر، وأنّه سيتخذ إجراءات قاسية في حال اقتراب الحشد من مدينة تلعفر، وكان ناطقٌ رسمي قد وصف تهديدات أردوغان بأنها "طنين ذباب" لا يسمعها أحد، وتم تحرير تلعفر دون أنّ نرى أيّ قسوة أردوغانية سوى قسوة الصمت، كما نذكر وعوده ووعيده بالصلاة في الجامع الأموي بدمشق وزيارة ضريح بن عربي، كما لا زلنا نذكر ربط إعادة العلاقات التركية-"الإسرائيلية" برفع الحصار عن غزة، ولم يجف بعد رذاذ تصريحاته عن الكاميرات حول قطع العلاقات مع "إسرائيل"-التي عادت دون رفع الحصار عن غزة-، فيما لو أعلن ترامب القدس عاصمةً لها، كما أخذته العزة بالإثم حين قال أنّ هدف وجود قواته في سوريا هو إنهاء حكم الأسد، قبل أنّ يخرج مكتبه ووزارة خارجيته للاعتذار باعتبارها زلة لسانٍ تارة وفُهمت خطأً تارةً أخرى، والآن منذ مطلع هذا العام نسمع جعجعةً بلا طحنٍ حول عفرين السورية.

ومن مآسي أردوغان أنّ نرجسيته تمنعه من رؤية الواقع الحقيقي، أو أنّه في أفضل الأحوال يستمتع ببيع الأوهام لمريديه دون توقع في تقلص شعبيته، طالما أنّ الأوهام بضاعة رائجة وطالما أتباعه مدمنو أوهام، فكما صنع من دخول الباب أو جرابلس انتصاراتٍ لا يضايهيها سوى حطين أو عين جالوت، بينما هو يدرك أنّه لا يمكن له تحريك جندي تركي واحد داخل الأراضي السورية دون أضواءٍ خضراء مركبة ومن كل صوب، فيجب وجود ضوء أخضر روسي متوافق مع ضوء أخضر إيراني قاعدتهما ضوء أخضر سوري، وبعد كل هذه الأضواء يجب الاستحصال على عدم ممانعةٍ أمريكية، وهو يدفع مقابل كل هذه الأضواء سراً، وهذا ما يحدث في عفرين، ولكن الفرق أنّه حتى اللحظة لم يستطع الحصول على كل هذه الأضواء، فيُمضي الوقت على الشاشات مصطنعاً البطولات اللسانية، وذلك لحين ميسرة وتوسل الأضواء،ولكن يبدو أنّه في عفرين سيدفع الكثير قبل السماح له بالدخول أو بالأحرى بالتورط، وقد لا يُسمح له بذلك، خصوصاً على ضوء تصريحات الخارجية السورية التي توعدته، وهنا على سبيل الاستنتاج لا المعلومة، أظنّ أنّ الحكومة السورية لم يكن يضيرها الدخول التركي إلى أوحال عفرين فالتزمت الصمت، بينما سياسة الشاشات لدى أردوغان أفسدت عليه انتشاءاته، حيث قالت تركيا أنّها ستوفر الغطاء الجوي لما يُسمى بـ"قوات درع الفرات" دون تدخل مباشر بقوات تركية، وهذا ما سيجعلها معركة نظيفة للجيش التركي بدماء السوريين، وهذا ما دفع الحكومة السورية لإنارة الضوء الأحمر في وجه أردوغان، وهو ما ردّ عليه وزير الخارجية التركي بما يشبه الغزل حين قال" بغض النظر عن الخلاف مع الحكومة السورية، إلّا أن تركيا ملتزمة بوحدة الأراضي السورية وحماية حدودها".

من ميزات السياسة السورية أنّها لا تعتمد الشاشات ولا الحناجر، وهي معافاةٌ تماماً من أمراض النرجسية والعيش في كهوف الأوهام، وبقدر ما تكون مدهشة للمنحاز لدمشق، بقدر ما تكون صاعقة لأعدائها، فآخر ما كانت تتوقعه تركيا أنّ دمشق -كما قال المقداد في تهديده الصريح لتركيا-استعادت كل قوتها، فسوريا على مدار سنيّ العدوان قد اعتمدت سياسة المراحل في مواجهة أعدائها سياسياً وعسكرياً، ونجحت في استعادة قوتها وجغرافيتها وستواصل استعادة البقية، وهي مرحلية لم تفرط بأيّ ثابتٍ من ثوابت الدستور السوري ولا بأيٍ من ثوابت المواقف السورية محلياً وإقليمياً ودولياً، وكما بدأنا المقال نختمه فهناك برنامج مرحلي آخر، اعتمدته منظمة التحرير في سبيل التحرير، بينما الواقع أثبت أنّه برنامج مرحلة التنازلات، فالتنازل الممرحل أكثر قابلية للهضم، بعكس التنازل غير الممرحل والمباشر، وكما قال أبو مازن "قد حصلنا على 850 قرار من الأمم المتحدة بالإضافة إلى 80 قرار من مجلس الأمن لم ينفذ منها قرار واحد"، فالمرحلية التي أعلنها أبو مازن تقتضي الحصول على المزيد من القرارات وادخارها ليوم أسود ذي خطابٍ أشد سواداً، ولكن بينما يمارس أردووغان وعباس فن الخطابة وسياسة الشاشات، هناك في دمشق وطهران وبيروت من يرسم خارطة المنطقة ومستقبل العالم، فليتلهى اللاهون.