لا يبدو أن الاستغراق في الأبعاد السياسية لما حصل في ليلة جنين الساخنة أكثر أهمية من الأبعاد الأمنية، وإن كان الاحتلال قد فشل في اعتقال أو تصفية المسؤول المباشر عن عملية اطلاق النار بنابلس حسب زعم الاحتلال، إلا أن ثمة أسئلة كثيرة بحاجة للإجابة والتمحيص، في مقدمتها كيف نجح الاحتلال في الوصول لمن يعتقد أنهم منفذي العملية؟.

أسباب عدة يرى خبراء في الشأن الإسرائيلي أنها تقف خلف تمكُّن الاحتلال، منذ سنوات، من الوصول لأسماء وأماكن مقاومين فلسطينيين في الضفة المحتلة، تبدأ باختراق الجبهة الداخلية مرورا بالتنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية، وليس أخيرا بما تسجله كاميرات المراقبة التي أصبحت تملأ شوارع مدن الضفة.

عن ذلك، يقول الكاتب والمحلل السياسي د.عبد الستار قاسم "نحن لا نتمسك بالمعايير الأمنية التي تحصّننا في مواجهة الاحتلال، ولا يوجد لدينا معايير للتحصين الأمني، كما أن الفصائل الفلسطينية لا تدرّب ولا تعلّم أبناءها حول هذه المعايير".

يضيف د. قاسم في حديث خاص لوكالة نبأ برس بأن المشكلة في أننا نترك ثغرات خلفنا يَنفَذ منها الاحتلال، فضلا عن أن العدو الصهيوني لديه تكنولوجيا متطورة تساعده في كشف الكثير من الأمور.

ويلفت المحلل السياسي إلى أن الأكثر خطورة في أسباب تفوق الاحتلال الأمني هو أن جبهتنا الداخلية تحتضن عددا كبيرا من العملاء، وخاصة بعد مجيء السلطة الفلسطينية وتبنيها لملف التنسيق الأمني مع الاحتلال، ما جعل وصول المعلومات للكيان الصهيوني سهلا.

يتابع قاسم "نحن نفتقد للثقافة الأمنية، ومَن هُم في أعلى السلم العسكري والأمني جاهلون في هذه القضايا، ولا يوجد عندهم ثقافة أمنية عالية، فهم لازالوا يستخدموا الجوالات في مناقشة أمور أمنية رغم أننا حذرنا من ذلك كثيرا".

وفي الوقت الذي أشار فيه المحلل السياسي إلى أن وجود كاميرات المراقبة بكثرة في شوارع الضفة المحتلة يساعد الاحتلال بالتأكيد في الوصول لمعلومات أمنية مهمة، أكد على ان أداء السلطة الفلسطينية الأمني السيئ هو ما قاد لازدياد انتشار الكاميرات.

وبحسب د. قاسم فان المجتمع الفلسطيني بحاجة الى تجديد وتغيير جذري في كل النواحي وعلى رأسها الأمنية لتحصين الجبهة الداخلية وتوفير السرية التامة لأي عمل مقاوم.

حديث المحلل السياسي يتوافق مع بعض النماذج التاريخية التي تحتفظ بها ذاكرة المقاومين لوجود الاحتلال، فالتمسك بالقواعد الأمنية والالتزام بمعايير السرية لطالما أرهق الاحتلال وسجل العديد من الانتصارات.

نموذج الاستشهادي عامر كلاكش من جنوب لبنان كان من أصدق النماذج، فأم الشهيد أخفت خبر استشهاده منذ العام 1986 حتى العام 2000، أمّا أخته فقد استشهدت خلال تعذيب جنود جيش لبنان الجنوبي (اللحديين)، من دون أن تتفوه بكلمة واحدة عنه.

وعند التحرير كشف أمين عام حزب الله، السيد حسن نصرالله أن الاستشهادي الذي قتل عشرات الجنود الصهاينة في جنوب لبنان حيث يقطن، والذي كان ملقبا طيلة 16 عاما بـ "أبو زينب" ما هو إلا عامر كلاكش، الذي كان يظن والده وكل عائلته بخلاف أمه وأخته أنه هاجر إلى الكويت ليعمل هناك.

السرية التي حفظت عائلة كلاكش من بطش الاحتلال حتى عام التحرير لجنوب لبنان، حفظت أيضا الشهيد نفسه واخوانه طيلة سنوات عملهم في صفوف المقاومة وأربكت الاحتلال الذي كان يفتقد طرف الخيط دائما، وهذا فقط ما سيجعل العين الاسرائيلية بعيدة عن منفذي عملية نابلس.

وما ذكره المحلل السياسي قاسم من ان المجتمع بحاجة لتجديد وثقافة أمنية، أكده اعتراف ضابط صهيوني لإحدى الاسيرات أثناء التحقيق، عندما قال لها بوضوح: "نحن لسنا بحاجة لعملية جمع مواد استخبارية كبيرة عنكم، والسبب أنكم بتوتوتو كتير".