أستعير لهذا المقال عنوان قصيدة "هدير البرزخ" للشاعر الكبير الراحل "محمود حسن إسماعيل"، الذي كتبها بعد حريق الصهاينة للمسجد الأقصى عام 1969، وهي القصيدة التي ألهبت مشاعرنا مع قصائد أخرى، ولكن عنوان "هدير البرزخ" يتّفق مع المرحلة الخطيرة التي تعيشها الأمّة الإسلامية هذه الأيام، بكل مآسيها السياسية.

المهم أن مدينة القدس الشريف تمثّل أهم معالِم الوحدة في الحد الأدنى بين المسلمين، فلا يختلف مسلم عن مسلم حول قضية القدس، رغم الخلافات الدموية بين المسلمين بعضهم البعض، ومن هنا تظل القدس والمسجد الأقصى المبارك قبلة القداسة، ومنطلق التقريب، ومن هذه الزاوية، فقد أخذ الأزهر الشريف على عاتقه المبادرة باتخاذ قرارات روحية وربما تقريبية بين أبناء المذاهب الإسلامية، ومعهم فريق لا يُستهان به من الأشقاء المسيحيين في مصر ومن داخل الأرض الفلسطينية المحتلة ومن خارجها، ثم عقد الأزهر ومعه مجلس حكماء المسلمين مؤتمراً لنصرة القدس، وهو المؤتمر الذي استمر في القاهرة يومي 17 و18 كانون الثاني/ يناير2018،.

هو أمر محمود وجهد مشكور للأزهر الشريف برئاسة الدكتور أحمد الطيب الإمام الأكبر، وذلك في حضور رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أبو مازن والسياسي أحمد أبو الغيط أمين عام الجامعة العربية وأعضاء منظمة المؤتمر الإسلامي، وعلماء من بلدان مختلفة ومذاهب متعدّدة، واتّخذ المؤتمر عدّة توصيات أو قرارات نوجزها سريعاً، لأنها منشورة في كافة المواقع الإلكترونية، يمكن للقرّاء الرجوع إليها، أهمها التأكيد على عروبة القدس وتحريرها من الغاصِب الصهيوني، ومن ثم الرفض القاطِع للقرارات التي اتخذها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن القدس المدينة المقدّسة، كما أكّدت التوصيات الوقوف بجانب الشعب الفلسطيني في ثورته المستمرة ضد الاستعمار الصهيوني المدعوم أميركياً، وأنه يعتزّ بالهبَّة القوية التي قامت بها الشعوب العربيَّة والإسلامية وأحرار العالم، داعياً إلى مواصلتها للضغط على الإدارة الأميركية للتراجُع عن قرار جعل القدس عاصمة لإسرائيل، وهنا نلاحظ أن المؤتمر جاء رد فعل على قرارات ترامب، وهذا لا بأس به، ولكن الهبّة القوية بدأت في التلاشي، وعادت الأمور كما خطّط لها الاستعمار العالمي تماماً، ولكن الأمل ظلّ ويظلّ في الشعب الفلسطيني الثائِر دائماً، وهو الشعب الذي يُفرّط في قوته ولا يفرّط في أرضه، ولذلك اشتعلت الأرض المحتلة، ما جعل الإدارة الأميركية تتوقّف قليلاً وتؤخّر نقل السفارة الأميركية إلى القدس، ومن هنا رغم احترامنا الكامل للمؤتمر العالمي لنصرة القدس، ودور الأزهر وعُلماء الأمّة في نهضة الأمّة، إلا أن المؤتمر لم يطلب الجهاد مثلاً، ولم يطلب وأْد الفتنة الطائفية، ولم ينتقد المواقف السياسية لبعض دول الخليج، أو أدان الفكر التكفيري الداعشي البوكوحرامي، ومنبعه الوهّابي، كان المُفترض مناقشة المؤتمر لأسباب الضعف الإسلامي في مواجهة الأعداء، ومن ضمنها الفكر الوهّابي التيموي السعودي التدميري، ولكن للأسف الشديد كل هذا لم يحدث حتى داخل أروقة المؤتمر.

ومن هنا فقد انتهى المؤتمر دينياً روحياً، بعد أن ألقى العبء على كاهِل الشعب الفلسطيني وحده، وربما معه بعض القليل من المقاومين، وكأن الغرض من المؤتمر غسل الأيدي من أعمال بعض الأشقاء العرب، والمفترض أنهم مسلمون، والأمر في النهاية أن المؤتمر تحدّث للمسلمين والعرب، أي خطاب للنفس قبل الحديث للغير، للغرب سواء الأميركي أو الأوروبي، وهو الغرب الذي أسّس للصهيونية وطناً، وهم الأعداء، ولكن الأعداء الغرباء الظاهرين ليسوا وحدهم، فالأخ عندما يكون عدواً يكون أخطر وأشدّ وأنكى، وطبعاً لا ننتقد موقف مؤتمر الأزهر عندما لم يعلن موقفه السياسي تجاه مَن يتعامل مع الأعداء والصهاينة، 

وعندما نتحدّث عن السياسة في الشأن المقدسي فإننا نتحدّث عن قضية حق من لا يمتلك القوّة لأخذه أو استرداده، وأيضاً عندما نتكلّم عن الضعف السياسي نجد أنفسنا نتحدّث عن فقدان المناعة السياسية والقابلية للاستعمار كما قال المفكّر الجزائري|المصري الراحل مالك بن نبيّ، ربما كانت الحَسَنة الوحيدة لقرار ترامب بنقل السفارة أن جعلت الرئيس أبو مازن يتراجع عن سياسة فاشلة تبناها، فقد هدّد بسحب الاعتراف بالكيان الصهيوني وإلغاء اتفاقيات أوسلو، والأهم هو جرأة أبو مازن في كشف حقيقة الضغوط الرهيبة التي مورِست عليه من قِبَل دول خليجية على رأسها المملكة العربية السعودية، فقد ذهب أبو مازن إلى الرياض مرتين، ووجد هجوماً غير متوقّع، ووجد أيضاً ترغيباً مالياً نفطياً هائلاً لا حدود له، في مقابل أن يوافق على صفقة قرن دونالد ترامب، وعندما فشل بن سلمان بدأت خطة الترهيب الأميركية السعودية، والتي لن نعلم مداها إلا بعد زيارة نائب الرئيس الأميركي للمنطقة بعد أن تأجّلت مرتين تحت الضغط الشعبي الإسلامي الفلسطيني. 

لقد قال الرئيس أبو مازن عبارة باللهجة العامية الفلسطينية المصرية لبعض العرب "حلّوا عنّا"، وهي تعني ابتعدوا عنّا ولا تتدخّلوا في شؤوننا، وهي كلمة موجّهة للسعودية على وجه الخصوص، فقد ضغط محمّد بن سلمان عليه من أجل الموافقة على الصفقة والقبول بمدينة أبي ديس لتكون عاصمة للدولة الفلسطينية الجديدة المُتقطّعة الأطراف، وجاء رفض أبو مازن لسبب بسيط للغاية، أنه لا يمتلك التنازل عن القدس، ولا عن حق العودة، لأن القدس والمسجد الأقصى ومعهما كنيسة القيامة ليست قضية أبو مازن، ولا حتى قضية الفلسطينيين، فهي قضية العرب من المسلمين والمسيحيين، كذلك هي قضية باقي الأحرار في العالم بأسره.

شكراً لعُلماء الأمّة وللأزهر الشريف، وإن كنا نتمنّى أن يكون جهدهم مُلزِماً على الأقل في حدّه الأدنى، على كل حال أملنا في الصمود والمقاومة كبير، بعد الأمل في الله من قبل ومن بعد...

المصدر: "الميادين" - علي أبو الخير