شكلت قضية وزير الاقتصاد التركي الأسبق محمد ظافر شاجليان أول مداخل العالم الفلسطيني عدنان مجلّي على خط العلاقات الأمريكية التركية، إذ تدخل "مجلي" وسيطاً بين تركيا وأمريكا في حل قضية "شاجليان"  الذي اتهمته الولايات المتحدة بعقد صفقات مالية "مشبوهة" مع رجل الأعمال الإيراني التركي محمد ضراب، ومدير بنك "هلكبانك" محمد هاكان،  ساهمت في كسر العقوبات الأمريكية المالية على إيران، عبر التلاعب بالنظام المالي وإجراء  عمليات غسيل أموال قللت من حدة العقوبات الأمريكية.

وساهم "مجليّ" الذي تربطه علاقة متينة بهيلاري كلنتون وهي أكبر شخصيات الحزب الديمقراطي الأمريكي، فضلاً عن علاقته بصهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في التدخل بشكل إيجابي لحل الأزمة التركية الأمريكية بشكل ودي، وقد حفظ الأتراك لـ "مجلّي" هذا الدور الفعال .

ورغم أن كيفية دخول "مجلي" على خط هذه القضية بقي مجهولاً، إلا أن علاقته بـ "تركيا" أخذت بالتوسع، إذ شهدت تلك الفترة لقاءات موسعة مع شخصيات وازنة في وزارة الخارجية التركية، وتضمنت اللقاءات عرض لأطروحات الحل التي يحملها "العالم الفلسطيني"، لكن دون التوصل لأي صيغة تعاون سياسي.

وفي منتصف شهر نيسان من العام 2017، وبتاريخ 17/4 تحديداً، توجه إبراهيم قلن وهو كبير مستشاري الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى قطر، وناقش مع مسؤولين قطرين الدور الذي يمكن لـ"مجليّ" أن يلعبه، وإمكانية في أن يقوم الرجل بملأ الفراغ الذي قد يتركه أبو مازن خلفه خصوصاً أن "البروفيسور" الفلسطيني لم يمارس أي دورٍ سياسي سابقاً، ويحظي بدعم أوروبي أمريكي، فضلاً عن امتلاكه لنقاط قوة في مجال الاستثمار والاقتصاد من شأنها أن تقدمه شعبياً، خصوصاً في قطاع غزة المتعطش لأي شخصية قادرة على تحويل وعودها بالرخاء وحل الأزمات إلى واقع ملموس على الأرض.

في 13/5/ 2017 زار "مجليّ" الأراضي التركية زيارة عملية، كان الأتراك حينها قد شارفوا على الانتهاء من مرحلة الاستفتاء على الدستور، وطرح "مجّلي" في هذه الزيارة لأول مرة، رؤيته للحل القضية الفلسطينية، وطبيعة الدور الذي يريد أن يلعبه في المرحلة المقبلة، وبحسب مصادر صحافية تركية مطلعة، فإن رؤية "مجلي" تضمنت الدخول للشارع الفلسطيني من بوابة الاقتصاد والاستعداد لحل الأزمات، على قاعدة تخدير كافة القضايا العالقة مع "إسرائيل" إلى حين الانتهاء من جمع الشمل الفلسطيني، وبناء منظومة اقتصادية قادرة على مواجهة التحديات.

وحدد "مجلي" اتجاهه السياسي بأنه ضد المقاومة المسلحة، ومع التفاهم مع الإسرائيليين على قاعدة إعطاء فرصة للنمو الاقتصادي وإعادة تأهيل الحياة المدنية في غزة مقابل تحييد السلاح وإخراجه من المعادلة لسنوات عدة، وتقديم ضمانات لذلك، وهو ما عبر عنه في لقائه مع صحيفة المصري اليوم في منتصف ديسمبر من العام الماضي، إذ قال في معرض اجابته على رؤيته حول خيار المقاومة المسلحة قائلاً:  الكفاح المسلح ليس هو الحل، لأننا جربناه عبر عقود من الزمن، ونحن شعب سلمى يطالب بحقوقه بأساليب سلمية"، مع العلم أنه وقع في حبائل التناقض الصارخ عندما افتتح إجابته على السؤال الذي يليه بالقول: "العالم وأمريكا لا يؤمنون إلا بالقوة، ولا يوجد لديهم عدل أو ظلم أو حق" .

قدمت اللقاءات مع الأتراك تصوراً إيجابياً عنه ، إذ أنه ورغم الخلاف بينه وبين رؤية تركيا لحل القضية الفلسطينية القائمة على "حل الدولتين" إلا أنه أبدي استعداداً لتبني أطروحة مزدوجة تراعي الطرح التركي للحل، فضلاً من ذلك، ظهر "مجلي" كشخصية علمية موغلة بالمرونة والسطحية السياسية، فهو عديم التجربة، ولم يسبق له أن مارس أيّ نشاط سياسي حقيقي، ونقاط الضعف هذه، هي بذاتها نقاط القوة التي وجد الأتراك بأنه يستحق الدعم لأجلها، إذ أن طبيعة المراس السياسي التركي، يفضل دعم الشخصيات السياسية الضعيفة، ليسهل تطويعها والتحكم بمساراتها.

فضلاً من أن "تركيا" تفضل أن يتصدر المشهد الوطني الفلسطيني شخصية قريبة منها، عوضاً من "محمد دحلان" الذي تعتبره أحد ألّد أعدائها الذي ساهم في تقويض مشروع الإخوان المسلمين في "مصر وليبيا وتونس" .

بالعودة لـ "مجلي" الذي يرى أن الدور الذي رسمه لنفسه يتلخص في محاولة معالجة الأزمات المعيشية القائمة في غزة والضفة، وصولاً لنيل استحقاق الدخول إلى الجسد السياسي الفلسطيني من منطلق مساهماته الاقتصادية الكبيرة في "انتشال" الفلسطينيين من خياراتهم الصفرية، ولكي يتسني له تحقيق ذلك كله دون عرقلة "إسرائيلية" يطرح مجلي فكرة القفز عن معالجة القضايا الكبيرة مدة من الزمن في مقابل تحييد السلاح، وربما يتشابه الدور الذي يطمح إليه "مجلي" في غزة، بما قام به رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري عقب الحرب الأهلية اللبنانية، إذ أعاد "الحريري" إعمار لبنان وضخ مليارات الدولارات من ماله الخاص في إحياء الاقتصاد وانقاذ التعليم والسياحة، إلى أن حملته إنجازاته الاقتصادية برضىً شعبي إلى قصر السرايا الحكومي ليشغل منصب رئيس الوزراء.

 

حماس ومجليّ .. رؤية تحليلية

عند هذه النقطة، تنتهي المعلومات ويبدأ التحليل، فحتي كتابة هذه السطور، لم نستطع تحصيل أي معلومات رسمية حول رؤية حركة حماس للدور الذي جاء "مجلي" للعبه في هذا التوقيت الحساس، لكن تقديرات أشخاص مطلعين في "حماس" تشير إلى أن الحركة تنظر إلى أن دورها لن يكون محورياً في اختيار الشخصية التي ستعقب رئيس السلطة محمود عباس، وهي تري في "مجلي" خياراً آخر إلى جانب "دحلان" الذي تربطها معه علاقةً استراتيجية، لكنها لم تصدر حتي اللحظة موقفاً تجاهه، رغم أن الرضا التركي القطري عن الرجل قد يشكل حافزاً لها التعامل مع دور "مجلي" القادم بشكل استراتيجي .