يقول فلاينت ليفريت في كتابه (وراثة سوريا-اختبار بشار بالنار)"لقد استخدم بشار أيضاً وسائل الدبلوماسية العامة لتقويض الدعم الدولي لمبادرات السلام  الدولية التي يعتبرها معادية للمصالح  السورية"، وفي موضع آخر يقول"كان تقدير الأسد عام 2001 أنّه لا يمكن العودة للمفاوضات دون حدوث تحسن على المسار الفلسطيني الإسرائيلي(...) وحين الإلحاح عليه بالسؤال ستوقعون فيما لو وقّع الفلسطينيون، قال بشار ليست المسألة أن نوقع أو لا نوقع، فنحن لا نعرف ربما يوقعون قبلنا، ولكن المسألة في أن يكوون السلام دائم، ولن يكون دائماً قبل عودة الحقوق العربية دونما استثناء"، ويردف"أنّ لبنان والجوولان لا يعنيان سلاماً شاملاً ودائماً لذلك لا بد أن يكون هناك تناسق مع المسار الفلسطيني".

نستطيع استنتاج الكثير من هذه الفقرة لناحية الموقف السوري وما آلت إليه اتفاقيات أوسلو وحجم التفريط منذ ذلك الحين، ولكن أهم ما يمكن استنتاجه هو مبدأ ارتباط المصلحة السورية العليا بالقضية الفلسطينية، وأنّ استعادة الجولان لا تعني انتهاء الصراع، ففي جولة المفاوضات السورية-"الإسرائيلية" –فبراير 1996- في واي بلانتيشن انسحبت"إسرائيل" من المفاوضات مع قرار تعليقها وذلك لرفض الوفد السوري تقديم التعازي لضحايا العمليات الاستشهادية في القدس، رغم وجود ما كان يُعرف بـ"وديعة رابين"، وهذا شاهدٌ من تاريخٍ من الشواهد على أنّ فلسطين هي مصلحة سورية عليا، بغض النظر عن الموقف الفلسطيني القيادي، وما العدوان على سوريا منذ سبعٍ عجاف سوى أن تصبح فلسطين لا عليا ولا حتى دنيا في المصالح السورية، وكان توجه ما يسمى بـ"الثورة" واضحاً لا لُبس فيه منذ البداية عن طرد حركات  المقاومة من دمشق تمهيداً لصناعة السلام مع"إسرائيل".

لذلك فإنّ المنطقة تشهد مسارين رئيسيين لصناعة مستقبلٍ مفرغٍ من القدرة السورية على تعطيل عمليات التصفية التي أصبحت تتم بشكلٍ معلن، المسار الأول هو السعي لإدامة الصراع في سوريا كأضعف الإيمان بعد فشل إسقاطها، والمسار الثاني هو ما يسمى بـ"صفقة القرن"، وهو المسار الذي قطع  شوطاً طويلاً دون عوائق سوى العقبة السورية بمحورها، فالملك الأردني الذي اصطف ولو شكلياً مع موقف الرئيس الفلسطيني في رفض إعلان القدس عاصمة لـ"دولة" العدو، اعتبرفي مؤتمر دافوس أنّه لا يمكن تحقيق السلام دون الولايات المتحدة، ولا أعرف إن كان  هناك حاجة لاستنتاج خلفيات التصريح الملكي، كما يفعل بعض المتنطعين، بأنّ الاعتذار"الإسرائيلي" عن قتل أردنيين في عمان أو التلويح الأمريكي بقطع المساعدات عن الأردن كانا سبب التصريح، والحقيقة أنّ الكيانات الوظيفية لا تحتاج لاستنتاج سلوكياتها، فهذه السلوكيات هي علة وجودها، فقد وُجدت لتسلك هذه المسالك، ثم يأتي دور الكذب الرسمي والإعلامي لإضفاء البطولة على هذه السلوكيات، كمما يفعل الرئيس االفلسطيني حين يعلن  عن وقف التنسيق الأمني، أو كما أعلن عن اعتبار الولايات المتحدة لم تعد وسيطاً نزيهاً، وهنا وتحت وطأة وهج البطولة لم يتساءل أحد أمعضلتنا مع العدو أم مع الوسيط-على اعتبارها وسيطاً-، فمشكلتنا ليست مع من يحتل الأرض بل مع الوسيط غير النزيه. 

تحاول الولايات المتحدة مع أدواتها تعطيل مؤتمر سوتشي من خلال أفراغه من مضمونه، من خلال إدامة الصراع وخلق أدواتٍ جديدة سياسية وعسكرية لضمان ذلك، واقتراح مبادرات وجيوش وإصدار وثائق، كان آخرها ما سمي ووثيقة مجموعة واشنطن، التي تضم أمريكا وبريطانيا وفرنسا والأردن والسعودية، ويتم السعي لتقديمها لديمستورا باعتبارها حلاً سياسياً، ومحتواها يفيض بالسذاجة والانفصال عن الواقع، وما لم يحصلوا عليه بالنار والميدان يريدون الحصول عليه بالوثائق والغرف المكيفة، وأبرز ما في تلك الوثيقة وضع سوريا تحت الإنتداب الدولي وفدرلتها ونزع صلاحيات رئاسة الجمهورية، وهذا ليس هو المهم حيث أنّ هذه الورقة أسخف من ذكرها في الإعلام فكيف بطرحها على طاولة تفاوضٍ رسميةٍ وجدية، ولكن الأهم هو أنها تشي بأنّ المسعى الأمريكي لتمرير صفقة القرن لن يرى النور دون إدامة إشغال سوريا مع محورها لأطول زمنٍ ممكن، ومن هنا يجب النظر إلى تطور الساحة السورية حصراً قبل التنجيم بحظوظ صفقة القرن، واستشرافاً فإنّ سوريا ستظل العقبة الكؤود-حتى لو كانت في أضعف حالاتها- أمام أي مساعٍ غربية أو عربية لتصفية القضية الفلسطينية، فكيف وهي تستعيد قوتها وتعزز تحالفاتها.